ثقافة

فوضى الدراجات النارية في طنجة بين ضرورة التنقل وحق المواطن في الأمان

 

عبد الرحيم الڭمراوي

لم تعد الدراجات النارية في شوارع طنجة مجرد وسيلة نقل خفيفة تُيسِّر الحركة داخل المدينة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى مصدر قلق يومي للمارة وسكان الأحياء.
مع اتساع رقعة المدينة وتزايد الكثافة السكانية، صار حضور هذه الدراجات في الأزقة والشوارع الكبرى ظاهرة لافتة، لا تخلو من مظاهر الفوضى والمخاطر.
في الأزقة الضيقة لأحياء المدينة الشعبية، حيث يلعب الأطفال قرب البيوت وتتحرك النساء والشيوخ بين الدكاكين والبيوت، تمر الدراجات النارية بسرعة مقلقة، غير عابئة في كثير من الأحيان بحدود السلامة أو بقواعد السير، أما في الشوارع الكبرى، فقد باتت تنافس السيارات في السرعة والتجاوز، وأحيانًا في الاستهتار، مما يجعلها عنصرًا حاضرًا في عدد كبير من حوادث السير.

غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن انتشار الدراجات النارية لم يأتِ من فراغ، فهي بالنسبة لكثير من الشباب وسيلة عمل ورزق، سواء في خدمات التوصيل أو التنقل السريع داخل المدينة، كما أنها أقل تكلفة من السيارة وأكثر قدرة على تجاوز الاختناقات المرورية التي تعرفها طنجة في السنوات الأخيرة.
لهذا، فإن النقاش حول هذه الظاهرة لا ينبغي أن ينطلق من منطق المنع، بل من منطق التنظيم والتقنين.
المدن الكبرى في العالم واجهت الظاهرة نفسها، لكنها اختارت طريق التنظيم الذكي بدل المواجهة المباشرة، فالتجربة الحضرية الحديثة تقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية.
*/ قانون واضح
*/ مراقبة فعالة
*/ وبنية طرقية تستوعب مختلف وسائل النقل.
وهو ما يعني أن الدراجات النارية يجب أن تُدمج في منظومة السير باعتبارها وسيلة نقل قائمة بذاتها، لا مجرد عنصر طارئ على الطريق.
في هذا السياق، يصبح من الضروري تشديد المراقبة على الدراجات غير القانونية أو المعدلة التي تتجاوز السرعات المسموح بها، مع فرض احترام صارم لقواعد السلامة، من قبيل ارتداء الخوذة، والتوفر على الوثائق القانونية، واحترام عدد الركاب المسموح به.
كما يمكن للسلطات المحلية التفكير في اعتماد مقاربة عصرية تقوم على استعمال الكاميرات الذكية والرادارات لرصد المخالفات، وهو توجه بدأت العديد من المدن الكبرى في العالم باعتماده.
لكن التنظيم لا يقتصر على الجانب الأمني فقط، بل يتطلب أيضًا تخطيطًا حضريًا يأخذ بعين الاعتبار تنوع وسائل التنقل داخل المدينة.
فإحداث مسارات خاصة بالدراجات، وتحديد مناطق ذات سرعة منخفضة داخل الأحياء السكنية، يمكن أن يساهم بشكل كبير في تقليص المخاطر التي تهدد المارة، خصوصًا الأطفال وكبار السن.
إن طنجة، وهي المدينة التي تسير بخطى سريعة نحو التحول إلى قطب حضري واقتصادي كبير، مدعوة اليوم إلى التفكير في تدبير ذكي لحركية السير داخلها، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في منع الدراجات النارية، بل في إدماجها ضمن رؤية حضرية متوازنة تحفظ حق مستعمليها في التنقل والعمل، وفي الوقت نفسه تضمن حق المواطنين في الأمن والسلامة داخل الشارع.
فالمدينة التي تحترم نفسها ليست فقط تلك التي تبني الطرق والجسور، بل تلك التي تجعل الطريق فضاءً مشتركًا تسوده القواعد والاحترام المتبادل، وفي هذا الميزان الدقيق بين الحرية والنظام، يتحدد مستقبل الحياة اليومية في شوارع طنجة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى