هل يستحقون صوتكم؟.. المزرياحي بين “الباراشوت” الحزبي وإرث حملة انتخابية مثيرة للجدل

بعد نحو خمسة عشر عاما من تجربته الانتخابية الأولى، يعود الموثق دحمان المزرياحي إلى صناديق الاقتراع، هذه المرة وكيلا للائحة حزب التقدم والاشتراكية بدائرة طنجة-أصيلة، في الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026.
ليست هذه أول محاولة للمزرياحي للوصول إلى مجلس النواب. ففي سنة 2011 قاد لائحة حزب البيئة والتنمية المستدامة بالدائرة نفسها، قبل أن تنتهي التجربة دون مقعد، وبنتيجة تقدرها مصادر صحفية محلية بنحو 800 صوت.
أكثر من عقدين في مهنة التوثيق
ولد دحمان المزرياحي بمدينة تارجيست سنة 1970، ودرس القانون قبل حصوله على دبلوم التوثيق سنة 2000، ليستقر بعدها في طنجة ويمارس المهنة بها منذ مطلع الألفية.
وتثبت وثائق رسمية تعيينه ضمن الموثقين بمدينة طنجة في بداية سنوات الألفين، ما يجعل النشاط المهني واحدا من أكثر عناصر سيرته وضوحا واستمرارا.
وفي الجانب الأكاديمي، تقدمه مصادر مهنية باعتباره باحثا في سلك الدكتوراه بجامعة باريس ديكارت، في موضوع يرتبط باستثمارات الأجانب في المغرب. ولا تتوفر، في المقابل، معطيات موثقة تثبت مناقشته أطروحة وحصوله على شهادة الدكتوراه، ولذلك يبقى وصفه بباحث في سلك الدكتوراه أكثر دقة من استعمال لقب «الدكتور».
وسبق للمزرياحي أن ترأس الغرفة الجهوية للموثقين بشمال المغرب، وفق سيرته المهنية، كما يشغل رئاسة مجلس الرقابة للبنك الشعبي لطنجة-تطوان، وهي مسؤولية كانت مصادر مهنية تشير إليها قبل سنة 2025.
اتحاد طنجة والرياضة.. حضور سبق السياسة
لم يقتصر حضور المزرياحي على مجال التوثيق. فقد ارتبط اسمه لسنوات بالمشهد الرياضي في طنجة، وخصوصا اتحاد طنجة لكرة القدم.
وتظهر مصادر أرشيفية وجوده داخل أجهزة تسيير النادي قبل أكثر من عقد، فيما تنسب إليه سيرته تولي مهام من بينها نائب الرئيس والناطق الرسمي خلال الفترة الممتدة ما بين 2012 و2014.
كما ارتبط اسمه بنادي الطيران بطنجة والنادي الملكي للزوارق، وهي أنشطة تقدم جانبا آخر من شبكة العلاقات المهنية والاجتماعية التي راكمها في المدينة.
2011.. أول محاولة لدخول البرلمان
في 25 نونبر 2011، خاض المزرياحي أول تجربة تشريعية له وكيلا للائحة حزب البيئة والتنمية المستدامة بدائرة طنجة-أصيلة.
وترجع مصادر صحفية مؤرخة خلال الحملة نفسها إلى زيارة الأمين العام للحزب آنذاك أحمد العلمي إلى طنجة لدعم لائحة المزرياحي قبل أيام قليلة من الاقتراع، ما يؤكد أن ترشيحه ليس معلومة أعيد إنتاجها لاحقا، بل واقعة موثقة من زمن الانتخابات نفسها.
غير أن تلك التجربة لم تنته بالحصول على مقعد برلماني، حيث تقدر مصادر صحفية محلية استحضرت نتائج انتخابات 2011 أن لائحة المزرياحي حصلت على نحو 800 صوت فقط.
رسائل 2011.. حملة انتخابية تصل إلى هواتف المواطنين وتثير جدل المعطيات الشخصية
ولم تمر حملة المزرياحي الأولى بهدوء كامل. ففي 24 نونبر 2011، قبل يوم واحد من الاقتراع، نشرت وسائل إعلام معطيات عن توصل عدد من مشتركي الهاتف بطنجة برسائل نصية قصيرة تدعوهم مباشرة إلى التصويت لدحمان المزرياحي ولائحة حزب البيئة والتنمية المستدامة.
وتضمنت الرسائل اسم المرشح ورمز الحزب الانتخابي، ما أثار حينها نقاشا حول الطريقة التي وصلت بها الدعاية الحزبية إلى أرقام هواتف المواطنين، وحدود استعمال قواعد بيانات المشتركين في أغراض انتخابية.
وتحولت الواقعة إلى إحدى أكثر المحطات إثارة للجدل في حملة المزرياحي سنة 2011، ليس بسبب مضمون الدعوة إلى التصويت في حد ذاته، وإنما بسبب السؤال المرتبط بمصدر أرقام الهواتف، وبمدى احترام المعطيات الشخصية للمواطنين.
غير أن ما نشر حينها لم يقدم دليلا يثبت أن المزرياحي شخصيا حصل بصورة غير قانونية على قاعدة بيانات المشتركين، كما لم نعثر على قرار قضائي أو إداري يثبت مسؤوليته الشخصية عن خرق يتعلق بحماية المعطيات الشخصية.
ولهذا فإن الواقعة يمكن وصفها بأنها جدل انتخابي رافق حملته، دون تحميل المرشح مسؤولية قانونية لم تثبت بحكم أو قرار رسمي.
لكنها تظل جزءا من أرشيف تجربته الأولى، خصوصا أنها تطرح، بعد خمسة عشر عاما، سؤالا عن الوسائل التي اعتمدتها تلك الحملة للوصول المباشر إلى الناخبين.
من حزب البيئة إلى «الكتاب».. عودة بحزب مختلف
إذا كان المزرياحي قد دخل انتخابات 2011 عبر حزب البيئة والتنمية المستدامة، فإنه يعود في 2026 من بوابة حزب التقدم والاشتراكية.
وفي مارس الماضي، حسمت قيادة الحزب اختياره وكيلا للائحة طنجة-أصيلة، عقب نقاشات داخلية سبقت الإعلان عن المرشح الذي سيقود «الكتاب» في واحدة من أكثر الدوائر تنافسية.
وفي الثاني من شتنبر، أودع المزرياحي رسميا ملف ترشحه لدى المصالح المختصة بعمالة طنجة-أصيلة، واضعا بذلك حدا لمرحلة التكهنات ومفتتحا محاولته الثانية للوصول إلى البرلمان.
لكن انتقاله إلى رأس اللائحة أثار منذ البداية نقاشا داخل المحيط السياسي المحلي، بالنظر إلى حداثة ارتباطه التنظيمي بالحزب مقارنة بأسماء راكمت سنوات داخله.
«الباراشوت».. لماذا اختار الحزب وافدا حديثا لقيادة اللائحة؟
وصفت مقالات محلية اختيار المزرياحي لقيادة اللائحة بأنه مثال على ما يسمى داخل الأحزاب بـ«الباراشوت السياسي»، أي استقدام شخصية من خارج المسار التنظيمي التقليدي ومنحها موقعا انتخابيا متقدما.
وانطلقت الانتقادات من كون المزرياحي لم يراكم سنوات طويلة داخل حزب التقدم والاشتراكية، قبل أن يجد نفسه على رأس لائحته التشريعية في طنجة-أصيلة.
كما أعادت هذه النقاشات إلى الواجهة تجربته الانتخابية الأولى سنة 2011، متسائلة عن حجم القاعدة الانتخابية التي يمتلكها فعليا، وعن العناصر التي دفعت قيادة الحزب إلى الاعتقاد بأن الرجل قادر هذه المرة على المنافسة على مقعد برلماني.
لكن قيادة «الكتاب» حسمت الجدل عمليا بمنحه التزكية، في رهان يبدو أنه يقوم على استثمار شبكته المهنية والاجتماعية أكثر مما يقوم على مسار حزبي تقليدي.
فؤاد العماري.. علاقة قديمة وحديث عن دور انتخابي
وبرز اسم العمدة الأسبق لطنجة فؤاد العماري بدوره في المواد التي تناولت تحركات المزرياحي الانتخابية. فقد تحدثت تقارير صحفية عن مساعدة ونصائح يقدمها العماري للمرشح، فيما ذهبت أخرى إلى الحديث عن تأثير له في بعض تفاصيل الحملة.
غير أن هذه المعطيات بقيت في حدود ما نسبته وسائل الإعلام إلى مصادرها، دون صدور تصريح مباشر عن المزرياحي أو العماري يؤكد وجود دور رسمي للأخير في إدارة الحملة.
أما العلاقة بين الرجلين في حد ذاتها فليست حديثة، إذ جمعتهما في سنوات سابقة تجربة العمل في محيط اتحاد طنجة لكرة القدم. ولذلك ينبغي الفصل بين وجود علاقة قديمة ومثبتة من جهة، وبين الحديث عن إدارة أو توجيه العماري للحملة الحالية من جهة أخرى، وهي مسألة لم تثبت بصورة مستقلة.
أولى أيام الحملة.. تصريحات ضد العدالة والتنمية أمام الكاميرا
ومع انطلاق الحملة الانتخابية السبت 12 شتنبر، دخلت لائحة المزرياحي دائرة الجدل مجددا، وهذه المرة بسبب مقطع فيديو متداول من نشاط انتخابي لحزب التقدم والاشتراكية.
ويظهر التسجيل أحد المشاركين في الحملة وهو يوجه كلاما إلى أعضاء حزب العدالة والتنمية، مدعيا أنهم ممن يمكن العثور عليهم في «البيران»، أي الحانات.
وحين نبهته إحدى المشاركات إلى أن تصريحاته يتم تصويرها، لم يتراجع، بل أكد تمسكه بما قال.
ومن المهم هنا التأكيد أن تلك العبارات لم تصدر عن دحمان المزرياحي نفسه، وإنما عن أحد المشاركين في النشاط الذي كان المرشح حاضرا فيه إلى جانب قيادات من حزب التقدم والاشتراكية.
لكن الواقعة، باعتبارها حدثت داخل نشاط انتخابي للائحة التي يقودها، تطرح سؤالا حول طبيعة الخطاب الذي ستعتمده الحملة في تعاملها مع المنافسين، خصوصا في سياق انتخابي يفترض أن تكون فيه البرامج والحصيلة والمقترحات في قلب النقاش العمومي.
«هل يستحقون صوتكم؟».. المرشحون تحت المجهر
هذا التقرير جزء من سلسلة «هل يستحقون صوتكم؟»، التي تتناول بروفايلات المرشحين والمرشحات المشاركين في الانتخابات التشريعية بدائرة طنجة-أصيلة.
وتسعى السلسلة إلى العودة إلى مسار كل مرشح، ومناصبه ومسؤولياته وتجربته المهنية والسياسية والانتخابية، إلى جانب الإنجازات المنسوبة إليه والانتقادات والإخفاقات والقضايا الجدلية التي رافقت مساره، مع التمييز بين الوقائع المثبتة والاتهامات أو المواقف السياسية.
والغاية هي وضع أكبر قدر ممكن من المعلومات الموثقة أمام ناخبي طنجة-أصيلة، حتى يكون تقييم المرشحين مبنيا على مساراتهم وما راكموه بالفعل، لا على الشعارات والصور التي تصنعها الحملات الانتخابية وحدها.



