ثقافة

هيرمينوطيقيا المحكي في ديوان “رماد اليقين” للشاعر محمد بلمو

صباح طنجة… بملو 

الديوان المعنون ب “رماد اليقين” من الحجم الصغير حيث يحتوي على 74 صفحة، بالإضافة إلى المقدمة والفهرسة، يضم مجموعة من القصائد هي عبارة عن أنوية تربط بين الفضائين الخارجي والداخلي، جاعلة منه جانبا مهما في العملية الإبداعية ونصا مفتوحا قابلا للتأويل. إذن كيف يمكن قراءة هذه التجربة الشعرية؟ وما هي مواصفاتها الفنية والجمالية؟ وما مقصديتها؟

يقوم المقترح القرائي في هذا الديوان على المزاوجة بين التقديم النظري الموجز والتقريب التطبيقي الشعري لإستراتيجية التقابلي بين القصائد والتجريب الشعري، لأن شعر بلمو يتجاوز الكائن ليفتح المجال في كل قراءة مصاحبة للاختلاف، وإبداع مداخل مناصية قادرة على التفاعل، يقول في قصيدة “رماد اليقين”:

أمتيقن

أن النقر على هذا البياض الكهربائي

يطهو خيرا لجوعك؟

وأن بردا قاسيا لن يجرك عنوة

لتقبع في جرحك الجبلي؟

أمتيقن

أن الشموس التي طلعت

ليست سرابا

وأنك ستؤدى فاتورة الكهرباء في

موعدها

أمتيقن (ص: 72)

فالشاعر بلمو في هذه القصيدة يريد بناء رؤية نقدية تتشكل من عناصر بنائية وتركيبية تتضمن بالضرورة دلالات وإيحاءات رمزية، وحيث توجد بنية توجد دلالات عبر تفاعل الشاعر مع واقعه بوصفه سيرورة نصية تداولية، يتحكم فيها محمل الأسطوري والتلقي، ولكن عن أي دلالة يبحث الشاعر؟

فالشاعر يشتغل على الأشياء، ذلك أن الديوان وإن كان يبطن رؤية العالم والإنسان، تتقاطع مع التاريخ والإيديولوجيا، فإن الشاعر لا يمكن أن يعبر عن هذا العالم إلا بعدم الانسحاب منه وإعادة تشكيله وفق الدفقة الشعورية، يقول:

ليس لجماله شأن

ليس لأشواكه جند

ليس لسحقه بد

سيشمت

الزرينج في الورد (ص: 13)

فهذا التصوير الفوتوغرافي للزرنيج لم يكن وليد عصر، ولم يكن قد أخذ بعد فنيا، ودلاليا كما هو عليه في القاموس الشعبي، حيث يظل الشعر تعبيرا عن حالة تمرد ورفض يشوب هذه السلبية التي كبلت خياله، ولم تعد تعطي للقصائد تبلورا وتأصلا جديدا في النهج الشعري العربي الحديث، وهذه المسوغات نجست من معطف الواقع، ودشن الشاعر ثورة شعرية تمثلت في اللغة، والإيقاع، والصور البلاغية، لأن الانفتاح على هذه التجربة بكل الأدوات الإجرائية التي تمكنني من معرفة الأدوات والأساليب الإيحائية الرمزية التي جعلته يعيد تمجيد قيمة الحرية، حيث يقول

الشعر

يهجو المعنى الواحد

 يتبادل الحديث معه الريح

على رصيف مقهى البياض (ص: 51)

موقع الكلمة

انطلاقا من هذا المقطع الذي يتأسس على إيقاع خارجي بروي متنوع، وقافية مطلقة، ووزن واحد على شكل فعلن / فعلى / فعلن / مع إدخال العلل والزحافات على هذا البحر، ومن هذه العلل الخبن، والقطع، لأن الشاعر لا يصنع شعره من من كلمات وأشياء، بل أفكار، والشاعر يستعمل اللغة كلعبة تشكيلية لأن العنوان عبارة عن عتبة من خلالها تعرف تموجات الذات الخارجية بدءا بالغياب ويستمر الريح في الورد وصولا إلى لو كان بمقدوره، ومتحولا إلى الريح الملطخ بالمداد، وقلما لا موطئ له متسائلا عن التعريفات، والحدوث والوقوع مع بعث جديد.

 من خلال هذا التوزيع الجغرافي، والتضاريسي للديوان، فإن تجربة الشاعر بما تحمله من معاني الحزن والسأم والقلق كلها مظاهر التغيير الذي عرفه الواقع بعد عشرين سنة التي تلت النكبات، والهزات الاجتماعية، جعلته يدرك أن إيقاع اليأس الذي ساد حركة الواقع لم يكن سوى وجها واحدا لعملة وجهها الآخر هو إيقاع الأمل، يقول:

شمس تشرق

مرة واحدة

رائحة

فاكهة

حين تغيب

لا تعود في الصباح

لا تعود (ص: 66)

وكما أثمر إيقاع اليأس تجربة الذات فقد تجاوزها في بعض القصائد (ص: 56): النجوم، الحب، العدل، الأرض الكتاب، فبدأت تتولد في أعماقه معاني الولادة والبعث من الرماد، برؤية جديدة هي رؤية الأمل، فهذه الرمزية الماورائية تنتفض ضد الإحالات المادية والواقعية المهيمنة، إن القصائد ليست مجرد كلمات مجازية يمكن إدماجها في سلك المعجم الشعري الحديث، بل هي أسرار تتحول إلى التغيير وليس التفسير القصري، فدلالات النهضة المؤقتة ينبغي إعادتها من هذا الصوغ الميتافيزيقي، فتكسير هذه المعسكرات – الأيد كما يقول محمد بوعزة في كتابه هيرمينوطيقا الحكي ص 136، هي عبارة عن أسئلة وصياغة فنية وخبرية وحقيقية ترتب الغياب لتأسيس الحضور على مبدأ الثواب والعقاب، فتداخل هذه التجربة في شعره جعل نجاح تجربته مرهونة بمدى إيمانه بجدلية الحياة والموت، فمواجهة الواقع هو إعلان عن تحمل مسؤولية القول، لأن الشاعر الحقيقي هو الذي يطرح الأسئلة ليواجه الموت دون الاستسلام السريري، فالشاعر في استحضاره لحقول معرفية وطبيعية متنوعة كالصحراء والسجن والمثقف، والشهيد، والغربة والحقيقة، وضد الموت، والقلم، والقول (ص 20 – 21) والريح، والحلم والمقدرة، والإرادة (ص 14) والورد، يبدأ هذا المزج باستعادة المقاطع التي تحضر في شكل دفعات شعورية تتسم بالوحدة العضوية والموضوعية، بصدق يتكرر مع ملاحظة استبدال (ص 14 و 20 – و34 – 51)، وصدق علامة الاستفهام: أمتيقن…؟ (ص:72-74)، هذا التكرار قد يشير إلى دلالة، هي استمرارية الكائن وتأكيد وجوديته في المجموع، لأنه لا يريد أن يبقى كالطود، جاثما، بل يستخدم الجمل الشرطية ليكون جواب الشرط هو الحياة، والريح والحب. لذلك تتماسك المقاطع بتواتر العلامة (لو) وذلك عن طريق تشاكل المعنوي والتاريخي مع كل بحث جديد، إنها الفينيق أو العنقاء، فيغدو هذا الجسد أدبية جديدة لا ترسو بالسقوط ولا بالابتذال، بل عن طريق الخرق أو العدول الجمالي حيث يتشكل الواقع الممكن برؤيا تكسر أفق توقع القارئ عبر توظيف تقنية الاسترجاع والاستباق، قصد الوصول إلى قيم إنسانية عبر مسافات ودروب جمالية متنوعة، حيث يقول:

يغازل غربته

في الغابر

اكتشف النار

واليوم

دخان

دخان

دخان (ص: 63)

فعلاقة الإنسان بالماضي، ليست علاقة بريئة، بل مرتبطة بوصل الأسئلة التي تجعل الإنسان، باعتباره، اجتماعي وغريزي، وآدمي… لأن التعبير عنه هو التعبير عن طريق الرموز التي تكون لغة ثابتة حيث تعمل على خلق توازن بينه وبين العالم، فالشاعر إذن ليس مجرد وسيلة أو أداة، بل هو صانع لذاته، ولوجوده، وللغته، تتحاور فيه كل هذه الأقاليم لتحقيق براديكم جديد، يكون الشعر كوظيفة انفعالية وليست منطقية ولا علمية، تبحث هذه الوظيفة عن شعورية الذات.

الشاعر ومفرداته

تشكل المفردة عند بلمو معجما جديدا في صياغة القصيدة، لأن الشعرية كما ذكرت سابقا لا تتأسس بالكلمات بل بالأفكار كما يقول مالارميه، لأن الشاعر يعاني من صراع حاد بين مسؤولية النداء وبين الهروب إلى الأمام، حيث السقوط والانتظار في هذا الوجود اللعين، وهذا ما نجده عند خليل حاوي في ديوانه “معاناة الحياة والموت” (ص: 129)، فالشاعر بلمو حرص على أن تكون هذه المفردات قادرة على توصيل الأفكار التي يسعى إلى توصيلها إلى المتلقي مع قدرتها على إثارة الأسئلة، والهجوم المفترض كما في قصيدة “حب وجلجلة” وقصيدة “الجسر” للبياتي، وليس غريبا أن يفصح شاعرنا عن تلك المعاناة التي كان يتلقاها في اختيار مفرداته لتكون جدارة جمالية كما يقول رونييه ويلك (نظرية الأدب).

فالتجدر في طقوسية الشاعر، جعل شعره لا يُدرَكُ بأولية انفعالية، بل بأسلبة جديدة تتجاوز كل الرؤى المقنعة، لتبني لنا عالما غير العالم الذي نعيشه.

فتجربة محمد بلمو هي فلسفة انفعالية تخترق المألوف لتبني لنا نسقا جوهريا يربط بين الآتي، والبعيد، ويرفض كل تجربة لا تقع تحت أشعة الشمس، أكثر بريقا واندهاشا لما يقول أدونيس في كتابه “الثابت والمتحول” إنه ينزع الحب من عتق الوجود ليلقي به في اليم، يعتق كل الأطياف ويغازل كل الأمكنة، التي تعمل على الاستنفار، لأن الوريد في أنهار الصحراء، تترك بصماتها المشرقة، في ملكات الماء النافر لأن الهوى يكتب عمره بقلم ليرسم لنا الجبال، ويقول الحقيقة دون تساقط أوراقها من طرف الريح، لكن خوفه يزول مع مرور الأيام.

التاريخ

حبر ينتظر السراح

من قاضي جلسات مؤجلة

بطلب من النيابة (ص: 53)

فتناول هذا المقطع كغاية وكبحث عن أصوله وإطاره المرجعي، يجعل الموضوع الحقيقي هو انفتاح على الكينوني، الذي يبوح بأسراره أمام هذا النهائي، لأن الأسرار المقنعة هي الخطوة التي تجعل المرحلة المتتالية التي يقضي فيها الشاعر منذ ولادته أي عبارة عن سلسلة من اللحظات التي تجمع الوحدات والصور، إن الشاعر جاور المكان في الزمان، أي أنه جغرافيا، تفسر امتلاك الأرض، والحياة، والموت، والصوت، والكلمة، قصد توصيف حقيقة الشعر وحركاته، فالشعر هو امتداد وتأريخ، وتوليف، وولادة تنمو مع جرنيج، والريح، والورد والحقيقة، والحب، إنها بدايات لنهايات، ولضرورات غير ملزمة قد جعلته يلغي النزاعات الرومانسية والتاريخية وكل من يلغي قوة الإبداع حين يعود الشعر صدفة في وجهنا، ومرآة تنكسر.

والشعر إحساس، وقوة، وخيال، وموت، وحياة، واستبطان، وتشظي وصوت، وكلام، وصمت، وثورة، وتفجير، ورحلة، واللامتناهي وإيقاع، ولفظ، ومعنى، ومغايرة، وولوج في المحظور والمسكون، إنه سحر، ولون، وعاطفة، وحال، وطقس، وجذبة، وانجذاب ضد المتناهي والسكون، والشعر سفر في سجل التاريخ وانقلاب في الوجود بما هو موجود، وسؤال، واندهاش وتفلسف في هذا العالم، إنه جسد مضاعف، وتوق في رحاب الممكن، وجرح في المملكة الأفلاطونية، وتكسير لجدار النهاية، هكذا عمل بلمو على تثوير الواقع بلغة إيروسية تتغي الممكن والمستحيل.

ينشر ظلاله على البياض فتنمو الأحرف فوق سجلات جيوب التواريخ، إنه ريح لا يركن إلى أسطوانة من أسطوانات الواقع، بوعي ممكن، يرحل مع الغياب، والمطلق، وينطق الصمت في هذا العالم الأخرس بكلمات تخترع الأكمام، والطواحين تمسح وتمسح …

باب الحكاية، واللامتوقع، وجبل السهو في جرح البلاد، وأحلام الشعر تنهمر تحت أتربة العواصف، وحافة الصمت في حدود الأرض، تلسع التربة ليشتغل كالمدى في كبد هذا العنقاء، والسندباد، والتدفئة تقول وتقول، هاربة تحتفل بغياب لغة المدينة-يكتب رسائل وتقارير الطيبوبة، يوزع النكبات والفتن مع باقة الورود.

يقول … يقول، يتأمل هذا الكون المدثر بالمرارة، ويصل المداد المغلق بأسئلة اللانهائية، والشمس بشطحاتها تشق فضاءها، كيف عادة الحياة، عبودية، والغرابة رعت عشيرة الطيور، متسائلا عن الهجرة، والعاصفة، والجمرة وترانيم الموسيقى تذكرنا بالريح وأحلام الطوابير الطويلة، والحروف تمسح الاستراحة حين تشاء، والموت لا يلغي شجر الولادة، والقطار يرحل بلا وداع، بلا وداع، تسعفنا الهشاشة، لا أسمنت ولا حداد والورد ينشر حزنه، والنمل يوسع جغرافية البيدر للمساءلة، والشاعر يتساءل لما لا يأكل لا يصلي، لا يبحر في جلابيب الزمن الكئيب، هكذا ظل يحمل المداد بالتناص والمناص يحاكم الصياح ليحتج بالقوافي ليمحو كل الأبواق، والأمواج، يرقص بالمقاطع، والبداهة دون تسكع في الجفون، يسيل المداد بإيقاعات صاخبة أمام انكسارات القيد والانصياع، لا ينزاح عن هدير الكهوف، يبني قشة الواقع ليهب لأهله الحياة، هكذا يمسي يبحث عن فرح في لا وطن، وقلم يحتج بماهية واهية، يرسم ويلون كي يرحل عن المتواتر، والخرائط تعسكر المدن، والقرى بخيمة الجروح يتساقط الموت كالمهرجان فوق جبال النسيان، والعتبات تخلع كل الماضي لتوزع عنف السيادة، والخضوع، وورشات تمتص رحيق البكاء. فيمشى الحزن، ويدب الصمت كشهيد يغازل الصباح

من يعبث يا سمائي

بالخيول

من يبيع براعمي للمجهول

من يعري أغصاني

كلما أينعت

ويدثر أشجاره بالدهول

من يبذر في المدينة

المكر

والدخان

والفقر

من يسقي الحديد القاسي

في طرقاتي الهادئة

بدمائي

ياسمائي (ص:45)

فهذا المقطع عبارة عن مجموعة من الجمل المتلاحقة التي تشكل وحدة متكاملة، لأنها هي القول والمفيد والقصد (ابن هشام مغني اللبيب ص 419)، فالتعبير متتالية دالة من الإشارات اللغوية … يحددها البياض فالشعر هو كتابة أنطولوجية، ومقاربة أولية للمكان والزمان، فالإمساك بالكينوني هو انفعالات تحت قناع اللامبالاة، يفتح كلماته بالحياة الواقعانية، يتابع المنحى التأويلي، للكلمة، للجملة، وللمقطع، ومهما يكن من أمر، فالديوان هو لوحة تشكيلية مؤطرة ضمن لوحات فنية مفتوحة، تتدثر بالرمز وبالانزياح، بلغة دراماتيكية، وبإيقاع متنوع يكسر عمود الشعر، برؤية تتمدد حسب الدفقة الشعورية لتبني لنا شعرية جديدة غير معطوبة، تنضاف إلى الشعريات العالمية، إنه كون ومعرفة تؤرخ للذات التي تنوجد في العالم، والهنا …

د. بوعلي الغزيوي

      مختبر اللغة والفكر

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى