بنك المغرب يعتمد سياسة نقدية حذرة بين كبح التضخم ودعم النشاط الاقتصادي

أعلن بنك المغرب تثبيت سعر الفائدة الرئيسي عند 2.25 في المائة، في قرار يعكس توجها حذرا يهدف إلى تحقيق توازن بين السيطرة على التضخم والحفاظ على دينامية الاقتصاد الوطني.
وأوضح عبد اللطيف الجواهري، والي البنك المركزي، خلال لقاء إعلامي أعقب اجتماع مجلس البنك، أن قرار السياسة النقدية يعتمد على نموذج توقعات يمتد لثمانية فصول، أي ما يعادل سنتين، ويهدف إلى استشراف مسار التضخم والنمو الاقتصادي خلال هذه الفترة.
وأشار المسؤول نفسه إلى أن هذا النموذج لا يقتصر على معادلات رقمية، بل يشكل منظومة تحليلية متكاملة يتم تحديث فرضياتها باستمرار وفق المعطيات الاقتصادية الوطنية والدولية، بما يسمح بتقدير الاتجاهات المحتملة للأسعار والنشاط الاقتصادي قبل اتخاذ القرار النهائي.
وأكد الجواهري أن مجلس البنك يأخذ بعين الاعتبار، إلى جانب نتائج النموذج الاقتصادي، ما وصفه بـ“العامل التقديري”، حيث يناقش الأعضاء مدى المخاطر التي قد تؤثر على التوقعات الاقتصادية، سواء كانت متجهة نحو ارتفاع التضخم أو نحو تباطؤ النمو.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن الظرفية الدولية الحالية تتسم بقدر كبير من عدم اليقين الجيوسياسي، وهو ما يدفع أحيانا إلى ترجيح الحذر في اتخاذ القرارات النقدية، تفاديا لاتخاذ إجراءات قد يتطلب التراجع عنها في وقت قصير.
أسباب تثبيت سعر الفائدة
وبخصوص دوافع الإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير، أوضح والي البنك المركزي أن أحد العوامل الرئيسية يتمثل في ملاحظة بداية تراجع التضخم، مع استمرار متابعة التضخم الأساسي الذي يعكس تطور الأسعار باستثناء المواد ذات التقلبات الكبيرة.
كما شدد على أهمية تقييم مدى انتقال قرارات رفع الفائدة السابقة إلى الاقتصاد الحقيقي، خاصة فيما يتعلق بأسعار الفائدة التي تطبقها البنوك على القروض الموجهة للأفراد والمقاولات.
وأوضح أن تثبيت الفائدة في المرحلة الحالية يشكل بمثابة مرحلة تقييم لقياس تأثير القرارات السابقة ومدى استجابة السوق لها.
كما أشار إلى أن السياسة النقدية المغربية تأخذ بعين الاعتبار التطورات الدولية، خصوصا قرارات كل من البنك المركزي الأوروبي ومجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، نظرا لتأثير الفارق في أسعار الفائدة على تدفقات رؤوس الأموال وقيمة العملة.
وأضاف أن سعر الفائدة الحقيقي، أي سعر الفائدة الرئيسي مطروحا منه معدل التضخم المتوقع، أصبح في مستويات إيجابية أو قريبة من ذلك، ما يعني أن السياسة النقدية الحالية أصبحت ذات طابع تقييدي بما يكفي للمساهمة في كبح التضخم دون الحاجة إلى رفع إضافي في الوقت الراهن.
مشروع الدرهم الإلكتروني
وفي ما يتعلق بمشروع العملة الرقمية للبنك المركزي، المعروف بالدرهم الإلكتروني، أكد الجواهري أن العمل جارٍ على هذا المشروع بتنسيق مع خبراء من صندوق النقد الدولي، بهدف الاستفادة من التجارب الدولية في هذا المجال.
وأوضح أنه تم تشكيل لجنة متخصصة لدراسة الجوانب التقنية والقانونية المرتبطة بالعملة الرقمية، مع تحديد أولويات واضحة لضمان سلامة المنظومة المالية قبل إطلاق المشروع.
وأشار إلى أن تنفيذ هذا المشروع قد يتطلب فترة زمنية تمتد إلى خمس سنوات أو أكثر، نظرا لحساسية الموضوع وارتباطه باستقرار العملة الوطنية.
تحدي تداول “الكاش”
وفي جانب آخر، شدد والي بنك المغرب على أن من بين الأولويات الحالية تقليص الاعتماد على السيولة النقدية، أو ما يعرف بـ“الكاش”، بعد أن سجل حجم التداول النقدي ارتفاعا بنسبة 15 في المائة خلال سنة 2025.
وأوضح أن البنك أعد دراسة شاملة حول هذه الظاهرة وتمت إحالتها إلى رئاسة الحكومة ووزارة الاقتصاد والمالية، مرفقة بعدد من التوصيات العملية التي تهدف إلى الحد من هيمنة التعاملات النقدية وتشجيع الأداء الإلكتروني.
كما كشف أن الإطار التنظيمي المتعلق بالأصول الرقمية المشفرة أصبح جاهزا، ومن المرتقب عرضه على البرلمان بهدف وضع إطار قانوني ينظم هذا المجال ويحمي المواطنين والمنظومة المالية من المخاطر المحتملة.
واختتم الجواهري بالتأكيد على أن تقليص الاعتماد على “الكاش” يمثل ورشا وطنيا يتطلب تنسيقا بين مختلف المؤسسات، بما في ذلك الإدارة الضريبية والقطاع البنكي والقطاعات الاقتصادية، بهدف تعزيز الرقمنة المالية وتحديث أساليب الأداء داخل الاقتصاد المغربي.



