أخبار المدينة

من يشرّع يفترض أن يعرف القانون.. الحمامي يستغل مكتب المقاطعة في الحملة الانتخابية

 

اختار محمد الحمامي، رئيس مقاطعة بني مكادة والبرلماني المنتهية ولايته عن حزب الاستقلال، أن يقدّم نفسه وبرنامجه للانتخابات التشريعية من داخل مكتبه الرسمي بمقر المقاطعة، في مشهد يثير أكثر من سؤال حول الحدود الفاصلة بين المسؤولية العمومية والمصلحة الانتخابية الخاصة.

الحوار المصور، المنشور ضمن برنامج يحمل اسم «عين على الانتخابات»، لم يُقدَّم باعتباره لقاءً مؤسساتياً حول تدبير شؤون بني مكادة، بل باعتباره حواراً مع مرشح للانتخابات التشريعية، استعرض خلاله الحمامي سيرته ومساره وبرنامجه ورسائله السياسية.

المشكلة هنا ليست في حق الحمامي في الدفاع عن ترشحه أو تقديم برنامجه للناخبين، بل في اختياره مكتباً عمومياً تابعاً للمقاطعة ليكون خلفية لهذا التسويق الانتخابي. فمكتب رئيس المقاطعة ليس جزءاً من ممتلكاته الشخصية، ولا ملحقة تواصلية لحزب الاستقلال، ولا استوديو انتخابياً متاحاً لصاحبه متى انتقل من صفة المسؤول إلى صفة المرشح.

حين يظهر مرشح داخل مكتب رسمي، محاطاً بما يمنحه المنصب من رمزية وهيبة، فإنه لا يقدم نفسه للناخبين على قدم المساواة مع منافسيه، بل يستفيد من صورة مؤسساتية لا يملكها باقي المرشحين. ومن هنا لم يعد الأمر مجرد اختيار سيئ لمكان التصوير، بل خلطاً واضحاً بين ما هو عمومي وما هو حزبي، وبين المكتب الذي وضع لخدمة المواطنين والمنصة التي استعملت للترويج لطلب تجديد العضوية في البرلمان.

القانون الانتخابي المغربي كان صريحاً في هذه النقطة. فالمادة 32 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب تُلزم أصحاب الإعلانات الانتخابية والجهات التي تعدها أو توزعها بالتقيد بالمادة 118 من القانون رقم 57.11، التي تمنع الظهور بشكل واضح داخل المقرات الرسمية، سواء كانت محلية أو جهوية أو وطنية.

وليس هذا مجرد تأويل متشدد للنص. فقد سبق للمجلس الدستوري، في القرار رقم 874/12، أن عالج واقعة شديدة الشبه بما قام به الحمامي، بعدما ظهر رئيس جماعة الدروة داخل مكتبه الرسمي في منشور انتخابي يعرض حصيلة الجماعة ويدعو إلى التصويت للائحته.

واعتبر المجلس أن الظهور في المكتب الرسمي يشكل مخالفة للمادة 118، مؤكداً أن الحظر يسري على جميع وسائل التواصل المستعملة في الحملة الانتخابية، وليس فقط على وسائل الإعلام السمعية البصرية العمومية.

وفي سابقة أخرى، ذهبت المحكمة الدستورية أبعد من ذلك، عندما قضت بإلغاء انتخاب مرشح وضع في منشوره الانتخابي صورة له داخل قاعة الجلسات بمجلس النواب، معتبرة أن استعمال صورة مقر رسمي في مادة تدعو إلى التصويت يشكل مخالفة انتخابية. وهو ما يثبته القرار رقم 41/17.

وتثير الواقعة أيضاً مقتضيات المادة 37 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، التي تمنع تسخير الوسائل والممتلكات التابعة للهيئات العامة والجماعات الترابية في الحملات الانتخابية بأي شكل من الأشكال.

والاستثناء الذي أقره القانون يهم أماكن التجمعات والمعدات الموضوعة على قدم المساواة رهن إشارة المترشحين، وليس المكتب الرسمي الذي لا يملكه سوى الرئيس بحكم منصبه.
أما إذا ثبت أن تصوير الحوار استفاد، فضلاً عن المكتب، من موظفين أو تجهيزات أو خدمات أو وسائل تابعة للمقاطعة، فإن شبهة تسخير الممتلكات الجماعية تصبح أكثر جدية.

ويظل تحديد قيام المخالفة الجنائية وترتيب العقوبات من اختصاص القضاء، ولا يجوز الجزم به قبل إجراء بحث يحدد جميع ظروف التصوير والوسائل المستعملة.

المفارقة أن الأمر لا يتعلق بمرشح يخوض تجربته السياسية الأولى ويمكن أن يدعي جهله بتفاصيل القانون، بل ببرلماني أنهى ولاية تشريعية كاملة ويرغب في العودة إلى المؤسسة المكلفة أساساً بصناعة القوانين. وكان يفترض في من يطلب ثقة الناخبين لولاية جديدة أن يكون أول من يحترم قواعد المنافسة، لا أن يقدم برنامجه من مكان رسمي يمنحه امتيازاً بصرياً ورمزياً لا يتوفر لبقية المتنافسين.

كما أن وصف المادة بأنها «حوار صحفي» لا يغير طبيعتها الانتخابية. فالعبرة ليست بشكل الأسئلة أو اسم البرنامج، وإنما بمضمون الحلقة والصفة التي قدم بها الضيف والغرض من نشرها. وعندما يقدم الحمامي باعتباره مرشحاً، ويتحدث عن سيرته وبرنامجه ويطلب بصورة مباشرة أو ضمنية ثقة الناخبين، فإن المادة تصبح جزءاً من حملته مهما كان القالب الإعلامي الذي وضعت فيه.

الحمامي مدعو اليوم إلى توضيح السند الذي اعتمده لتحويل مكتبه الرسمي إلى خلفية لدعايته الانتخابية، وما إذا كان المكتب نفسه متاحاً لبقية مرشحي دائرة طنجة–أصيلة بالشروط ذاتها. كما أن الجهات المكلفة بالسهر على سلامة الحملة مطالبة بفحص الواقعة، لأن حياد المؤسسات لا يُقاس بالخطب، بل بكيفية منع تحويل ممتلكات المواطنين إلى امتياز انتخابي لفائدة من يتولى تدبيرها.

قبل أن يقنع الحمامي ناخبي طنجة ببرنامجه الجديد، سيكون عليه أولاً أن يقنعهم بأن المقاطعة ليست ملكاً انتخابياً لرئيسها، وأن احترام القانون لا يبدأ بعد الوصول إلى البرلمان، بل منذ اللحظة التي يطلب فيها المرشح من المواطنين أن يعيدوه إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى