أخبار وطنية

لماذا عزف أبناؤها عن الترشح

بقلم : أيوب محفوظ

يعتبر التمثيل البرلماني من أهم الآليات التي تمتلكها الأقاليم للدفاع عن مصالحها وانتزاع حقوقها التنموية من الدولة، فالبرلماني ليس مجرد شخص يفوز بمقعد داخل قبة البرلمان، بل هو صوت الساكنة، والمدافع عن قضاياها، والوسيط بين انتظارات المواطنين ومراكز القرار. ومن هذا المنطلق، يحق لساكنة إقليم الجديدة أن تتساءل اليوم: لماذا أصبح الإقليم، الذي كان في فترات سابقة يزخر برجالات السياسة والأعيان والكفاءات المحلية، عاجزاً عن إفراز عدد كاف من أبنائه للتنافس على المقاعد البرلمانية؟ ولماذا أصبح المجال مفتوحاً أكثر فأكثر أمام مرشحين لا تربطهم بالإقليم في بعض الأحيان سوى الاستحقاقات الانتخابية؟إن المتتبع لتاريخ الجديدة السياسي يدرك أن الإقليم لم يكن يوماً فقيراً في موارده البشرية أو في كفاءاته. فقد أنجب شخصيات سياسية وإدارية واقتصادية بارزة استطاعت أن تترك بصمتها محلياً ووطنياً، وكانت الانتخابات البرلمانية مناسبة للتنافس بين أبناء المنطقة أنفسهم، حيث كان المرشح يعرف الدوار والحي والجماعة، ويعرف مشاكل الفلاحين و والحرفيين والعمال والشباب ، ويعيش تفاصيل الحياة اليومية للسكان.

لقد كانت المنافسة السياسية في مراحل سابقة تدور بين شخصيات تنتمي إلى الإقليم وتعرف خصوصياته. ورغم الاختلافات السياسية والإيديولوجية، فإن الجميع كان يلتقي حول هدف واحد يتمثل في خدمة الجديدة والدفاع عن مصالحها. وكان البرلماني يشعر أن نجاحه مرتبط بما سيحققه للإقليم من مشاريع ومنجزات، لأن الناخبين يعرفونه ويعرفون أسرته وتاريخه ومساره.

ولا يمكن الحديث عن الجديدة دون استحضار المراحل التي عرفت خلالها دينامية تنموية مهمة، حيث كان صوت الإقليم حاضراً داخل المؤسسات الوطنية، وتم الترافع من أجل مشاريع مهيكلة ساهمت في تعزيز مكانة الجديدة اقتصادياً وسياحياً وصناعياً. ففي تلك الفترات كان المنتخبون يعتبرون أنفسهم سفراء للإقليم، وكانوا يدافعون عن الملفات الكبرى بكل قوة وإصرار.

أما اليوم، فإن الكثير من المتابعين يلاحظون تراجعاً في هذا الدور، ليس بالضرورة بسبب ضعف الأشخاص، وإنما بسبب تغير طبيعة العمل السياسي وتحول الانتخابات في بعض الأحيان إلى منافسة تهيمن عليها الحسابات الحزبية والمالية أكثر من ارتباطها بالمجال الترابي. فأصبح من الممكن أن يجد المواطن نفسه أمام مرشح لا يعرف تفاصيل الإقليم ولا يعيش يومياته ولا يشعر بمعاناته بالشكل الذي يشعر به ابن المنطقة.

والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا عزف أبناء الجديدة أنفسهم عن خوض هذه المعركة؟

هناك عدة أسباب يمكن رصدها. أولها فقدان الثقة في العمل السياسي لدى جزء من النخب المحلية التي أصبحت ترى أن فرص النجاح لا ترتبط دائماً بالكفاءة أو القرب من المواطنين. وثانيها ضعف تشجيع الأحزاب السياسية للكفاءات المحلية، حيث يتم أحياناً البحث عن أسماء تملك إمكانيات معينة بدل الاستثمار في أبناء الإقليم القادرين على تمثيله بصدق. وثالثها ارتفاع كلفة العمل الانتخابي وما يرافقه من تعقيدات تجعل العديد من الكفاءات تفضل الابتعاد عن المجال السياسي رغم قدرتها على العطاء.كما أن جزءاً من المسؤولية يتحمله المجتمع نفسه، إذ كثيراً ما نشتكي من غياب الكفاءات المحلية عن المؤسسات المنتخبة، لكننا لا نمنحها الدعم الكافي عندما تقرر خوض غمار الانتخابات. فالمواطن مطالب أيضاً بالبحث عن الكفاءة والجدية والقدرة على الترافع، وليس فقط عن الشعارات أو الوعود الانتخابية.

إن الدفاع عن أولوية أبناء الإقليم في الترشح لا يعني رفض الآخرين أو التقليل من كفاءاتهم، فالمغرب وطن واحد، والكفاءة تبقى معياراً أساسياً. لكن من حق ساكنة الجديدة أن تتطلع إلى تمثيلية قوية يقودها أشخاص يعرفون تاريخ الإقليم، ويعيشون همومه، ويشعرون بالانتماء الحقيقي إليه، لأن من عاش تفاصيل المكان يكون غالباً أقدر على فهم احتياجاته والترافع عنها.والواقع أن الجديدة اليوم تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أصوات قوية داخل البرلمان للدفاع عن ملفات استراتيجية عديدة، من بينها التشغيل، وتأهيل العالم القروي، وتحسين البنية التحتية، وحماية الموارد الطبيعية، وتثمين المؤهلات السياحية الهائلة التي يزخر بها الإقليم، إضافة إلى مواكبة التحولات الاقتصادية الكبرى التي تعرفها المنطقة.كما تحتاج الجديدة إلى برلمانيين يحملون مشروعاً تنموياً واضحاً، لا يقتصر حضورهم على المواسم الانتخابية، بل يستمر طوال الولاية التشريعية من خلال التواصل الدائم مع المواطنين وتتبع مشاكلهم والترافع عن مطالبهم داخل المؤسسات الوطنية.لقد آن الأوان لفتح نقاش جاد حول مستقبل التمثيلية السياسية بالإقليم، وحول السبل الكفيلة بإعادة الثقة إلى أبناء الجديدة وتشجيعهم على الانخراط في الشأن العام وتحمل المسؤولية السياسية. فالأقاليم لا تبنى فقط بالمشاريع والاستثمارات، بل أيضاً برجال ونساء يؤمنون بأرضهم ويدافعون عنها في مواقع القرار.

ويبقى السؤال مفتوحاً أمام جميع الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والمدنيين: هل ستستعيد الجديدة تقليدها في إفراز نخب محلية قوية قادرة على حمل مشعل التمثيل البرلماني والدفاع عن مصالح الإقليم؟ أم أن ظاهرة العزوف ستستمر، تاركة المجال لواقع جديد قد يفقد معه الإقليم جزءاً من صوته ومن قدرته على الترافع عن قضاياه المصيرية؟

إن الجديدة التي أنجبت رجال دولة ومسؤولين وبرلمانيين بصموا تاريخها تستحق اليوم أن تعود إلى صدارة المشهد، وأن تثق من جديد في أبنائها، لأن تنمية الإقليم تبدأ من الإيمان بقدر أبنائه قبل أي شيء آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى