بحث أكاديمي مغربي يحذّر: العنف الأسري وانفصال الوالدين يرفعان خطر الإدمان لدى الشباب

كشفت دراسة أكاديمية حديثة أن تجارب الطفولة السلبية تشكل عاملاً حاسماً في ارتفاع احتمال تبني سلوكيات خطرة لدى فئات من الشباب بالمغرب، وعلى رأسها الإدمان على استهلاك القنب الهندي، مؤكدة وجود ارتباط وثيق بين المعاناة النفسية المبكرة ومسارات التعاطي خلال مرحلتي المراهقة والرشد.
وأفاد البحث، الذي أنجزه باحثون في العلوم الاجتماعية والإنسانية بسلك الدكتوراه بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، اعتماداً على عينة من إقليم تاونات، أن تعاطي القنب الهندي يظهر لدى عدد من الشباب كآلية نفسية دفاعية للهروب من الصراعات الداخلية، أو كوسيلة لتعويض النقص العاطفي الناتج عن تجارب طفولية قاسية، فضلاً عن كونه شكلاً من أشكال “العلاج الذاتي” للتخفيف من التوتر واستعادة التوازن الانفعالي.
وبالاستناد إلى استبيان مبني على نموذج “تجارب الطفولة السيئة” (ACES)، خلصت الدراسة إلى أن أكثر التجارب السلبية انتشاراً لدى المستهلكين تمثلت في انفصال الوالدين أو الطلاق بنسبة 80.8 في المائة، والعنف الأسري بنسبة 75.2 في المائة، ثم العنف اللفظي بنسبة 47.3 في المائة، ما يعكس هشاشة البيئة الأسرية كعامل مؤثر في السلوك الإدماني لاحقاً.
كما أبرز البحث أن عوامل أخرى، من قبيل التعرض للعنف المجتمعي، والاعتداءات الجسدية، والعيش في محيط يضم مستهلكين لمخدر القنب، إضافة إلى الإهمال العاطفي، تسهم بشكل تراكمي في رفع مخاطر الإدمان، خاصة خلال مرحلة الشباب.
واعتمدت الدراسة منهجاً مختلطاً، شمل عينة عمدية مكونة من 558 مشاركاً، من بينهم 291 ذكراً و267 أنثى، مع توظيف استبيان تجارب الطفولة السيئة واختبار فحص إساءة استعمال المخدرات (DAST-10)، إلى جانب تحليلات إحصائية باستخدام برنامج SPSS، ودراسات حالة نوعية لدعم التفسير الإكلينيكي للنتائج.
وأكد الباحثون ضرورة تجاوز المقاربات السطحية التي تفسر تعاطي القنب من زوايا سلوكية أو أخلاقية ضيقة، والدعوة إلى اعتماد مقاربات تكاملية تدمج البعد النفسي وتجارب الطفولة السلبية وآليات تنظيم الانفعال، مع التركيز على الوقاية والتدخل المبكر لدى فئة الشباب.
كما أوصت الدراسة بالانتقال من النظر إلى تجارب الطفولة باعتبارها أحداثاً منفصلة، إلى تبني مقاربة تراكمية تراعي تفاعل هذه الخبرات وتراكمها عبر الزمن، مبرزة أن احتمال التعاطي يزداد كلما ارتفع عدد التجارب السلبية المبكرة، وفق منطق “الجرعة والاستجابة”.
وخلصت الورقة إلى التأكيد على أهمية تطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية تضع الصحة النفسية وتنظيم الانفعال في صلب فهم السلوك الإدماني، مع فتح آفاق بحثية وتطبيقية لتصميم تدخلات مبكرة تعالج جذور المعاناة الطفولية، وتساهم في الحد من السلوكيات الإدمانية وتحسين التكيف النفسي على المدى الطويل.



