القدرة الشرائية تحت ضغط رمضان… تباطؤ التضخم لا يبدد قلق الأسر المغربية

مع حلول شهر رمضان، تجد فئات واسعة من الأسر في المغرب نفسها أمام معادلة مالية صعبة، رغم المؤشرات الرسمية التي تتحدث عن تباطؤ وتيرة التضخم خلال الفترة الأخيرة. هذا التباين بين الأرقام الماكرو-اقتصادية والواقع اليومي للأسواق يطرح تساؤلات متزايدة حول مدى انعكاس التحسن الإحصائي على الحياة المعيشية للمواطنين.
ويعزو محللون هذا الوضع إلى ما يُعرف بـ«التضخم التراكمي» الذي راكم زيادات متتالية في الأسعار خلال السنوات الماضية، بالتوازي مع الارتفاع الموسمي للطلب المرتبط بعادات الاستهلاك في رمضان، ما يؤدي إلى شعور أقوى بغلاء المعيشة حتى مع تراجع معدل التضخم نظرياً.
طلب موسمي يضغط على الأسعار
تشهد الأسواق خلال هذا الشهر ارتفاعاً ملحوظاً في الإقبال على المواد الغذائية الأساسية مثل الخضر والفواكه واللحوم والدواجن والأسماك والبيض، وهو ما يرفع الطلب بنسب قد تصل إلى ما بين 20 و30 في المائة مقارنة بباقي أشهر السنة. ويتزامن ذلك مع سلوكيات استهلاكية مثل التهافت على الشراء والتخزين المفرط، ما يساهم في زيادة الضغط على العرض ويدفع الأسعار إلى الارتفاع.
كما تلعب العوامل المناخية دوراً إضافياً في تقليص وفرة بعض المنتجات، نتيجة تأثير الاضطرابات الجوية والفيضانات الأخيرة على الإنتاج وسلاسل التوريد، إلى جانب اختلالات بنيوية في مسالك التوزيع وتعدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك.
تحسن الأجور لم يواكب كلفة المعيشة
ورغم الزيادات التي شهدتها الأجور في إطار الحوار الاجتماعي، يرى خبراء أن أثرها ظل محدوداً أمام الارتفاع المتراكم للأسعار. فجزء مهم من هذه الزيادات يُستخدم لتعويض القدرة الشرائية المفقودة خلال موجة التضخم السابقة، بدل أن يترجم إلى تحسن فعلي في مستوى العيش أو القدرة على الادخار.
وتشير تقديرات ظرفية إلى أن نسبة كبيرة من الأسر تعتبر دخلها غير كافٍ لتغطية المصاريف الجارية، بينما تبقى نسبة الادخار ضعيفة، ما يعكس هشاشة التوازنات المالية للأسر، خاصة لدى الطبقة المتوسطة.
عوامل خارجية وهيكلية تزيد التعقيد
يرتبط الغلاء أيضاً بعوامل خارجية، من بينها تقلب أسعار الطاقة والحبوب عالمياً واضطرابات سلاسل الإمداد، وهو ما يرفع كلفة الواردات ويغذي ما يُعرف بـ«التضخم المستورد»، في ظل اعتماد السوق المحلية على الاستيراد لتأمين جزء من حاجياتها الأساسية.
أما داخلياً، فتبرز تحديات مرتبطة باتساع القطاع غير المهيكل، وتعدد الوسطاء، ووجود ممارسات مضارباتية وتخزين للسلع انتظاراً لارتفاع الأسعار، وهي عوامل تحدّ من فعالية إجراءات المراقبة الظرفية خلال المواسم ذات الاستهلاك المرتفع.
تداعيات اقتصادية ونفسية
لا يقتصر أثر هذه الضغوط على الجانب المادي فقط، بل يمتد إلى ما يصفه مختصون بـ«الإجهاد المالي» الذي يؤثر على ثقة الأسر في أوضاعها المعيشية، ويحوّل تدبير ميزانية رمضان إلى مصدر قلق يومي بدل أن يكون مناسبة للسكينة والتكافل.
نحو حلول مستدامة
ويرى متابعون أن معالجة هذه الظاهرة المتكررة تتطلب إجراءات هيكلية تتجاوز الحلول الظرفية، من خلال:
• تعزيز مراقبة سلاسل التوزيع والحد من تعدد الوسطاء.
• دعم الإنتاج الوطني لضمان استقرار العرض.
• تحسين تنافسية الأسواق ومحاربة الممارسات الاحتكارية.
• نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك وتقليص الهدر الغذائي.
وبين مؤشرات رسمية مطمئنة نسبياً وإحساس يومي بغلاء المعيشة، يبقى التحدي الأساسي هو تحويل التحسن الإحصائي إلى أثر ملموس يشعر به المواطن في سوقه وميزانيته، خاصة خلال مواسم الاستهلاك المرتفع مثل شهر رمضان



