اقتصاد

صناعة الألعاب الإلكترونية بالمغرب… رهان اقتصادي جديد ومسار واعد لتمكين الشباب

 

لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد نشاط ترفيهي عابر يمارسه الشباب داخل غرف مغلقة، بل تحولت إلى صناعة عالمية متكاملة، عابرة للحدود، تفوق مداخيلها أحياناً عائدات السينما والموسيقى مجتمعتين. هذا التحول جعل قطاع الـGaming أحد المكونات الأساسية للاقتصاد الرقمي الحديث، ورافعة مركزية في استراتيجيات “السيادة الرقمية” والتمكين الاقتصادي للشباب في عدد متزايد من الدول.

وفي خضم هذه التحولات، اختار المغرب أن يضع صناعة الألعاب الإلكترونية ضمن أولويات نموه الاقتصادي والاجتماعي، باعتبارها قطاعاً قادراً على خلق الثروة، وتوليد فرص الشغل، وتصدير الإبداع الوطني إلى الأسواق العالمية. ويبرز هذا التوجه من خلال السياسات العمومية التي تقودها وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والتي تراهن على الانتقال من منطق الاستهلاك إلى منطق الإنتاج وخلق القيمة المضافة.

قطاع بآفاق اقتصادية واعدة

تشير المعطيات الرسمية إلى أن صناعة الألعاب الإلكترونية تشكل فرصة استراتيجية لتنويع الاقتصاد الوطني، بالنظر إلى قدرتها على الجمع بين الإدماج المهني، وتطوير الرأسمال البشري، وتعزيز الإشعاع الثقافي للمملكة.

فعلى مستوى التشغيل، تفتح هذه الصناعة آفاقاً واسعة أمام الشباب المغربي لولوج مهن جديدة ذات قيمة مضافة عالية، لا تخضع للحدود الجغرافية، من قبيل تطوير الألعاب، التصميم الرقمي، البرمجة، الإخراج الفني، كتابة السيناريو، التسويق الرقمي، وصولاً إلى الرياضات الإلكترونية. وهي مهن تمنح الكفاءات المغربية إمكانية الاندماج في سلاسل القيمة العالمية عبر “جواز سفر رقمي” قائم على المهارة والإبداع.

الرأسمال البشري في قلب التحول الرقمي

ولا يقتصر أثر قطاع الألعاب الإلكترونية على الجانب التقني فقط، بل يمتد ليشمل تنمية مهارات أساسية يفرضها اقتصاد المستقبل، مثل الابتكار، التفكير النقدي، العمل الجماعي، حل المشكلات المعقدة، إضافة إلى تطوير القدرات اللغوية والتواصلية.

وفي هذا السياق، تؤكد المقاربة الحكومية أن الاستثمار في هذا القطاع هو استثمار مباشر في ذكاء الشباب المغربي وقدرته على التكيف مع التحولات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد الرقمي العالمي، وهو ما يفسر إحداث مديرية متخصصة في تنمية صناعة الألعاب الإلكترونية ونظم المعلومات داخل الهيكلة التنظيمية للوزارة الوصية.

الألعاب الإلكترونية كأداة للإشعاع الثقافي

ويمتلك المغرب رصيداً حضارياً وتاريخياً غنياً يؤهله لاستثماره رقمياً عبر صناعة الألعاب الإلكترونية، التي باتت وسيلة مبتكرة لرواية القصص وبناء العوالم الثقافية. فمن خلال محتويات رقمية مستلهمة من التراث المغربي، يمكن تقديم صورة جديدة للمملكة إلى العالم، وتعزيز قوتها الناعمة بأسلوب شبابي وإبداعي معاصر.

تحديات التحول ومسؤولية الاستخدام

ورغم الآفاق الواعدة، ترافق هذه الدينامية تحديات مرتبطة بالاستخدام المسؤول للألعاب، والفجوة الرقمية، وحماية الفئات الهشة، خاصة الأطفال. وفي هذا الإطار، تعتمد المقاربة الوطنية مبدأ “الألعاب المسؤولة”، بشراكة مع مؤسسات دولية، بهدف ترسيخ استعمال واعٍ ومتوازن للتكنولوجيا، يراعي الأبعاد التربوية والاجتماعية.

كما تسعى الاستراتيجية الوطنية إلى تقليص الفوارق المجالية، من خلال توسيع الولوج إلى البنية التحتية الرقمية، وتجهيز دور الشباب بالمعدات اللازمة، إيماناً بأن بناء صناعة ألعاب قوية يمر عبر ضمان تكافؤ الفرص بين مختلف مناطق المملكة.

خارطة طريق عملية للتمكين

ولتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع، تم اعتماد حزمة من الإجراءات العملية، تشمل برامج للتكوين والتأهيل لفائدة الشباب، سواء غير المتمدرسين أو عبر مسارات أكاديمية متخصصة في مهن الألعاب الإلكترونية، تمتد من البكالوريا +2 إلى البكالوريا +5.

كما يتم دعم المقاولات الناشئة من خلال برامج احتضان، وتشجيع المبادرات الفردية في مجال تطوير الألعاب، إلى جانب الانفتاح على الخبرات الدولية وربط الجسور مع مغاربة العالم الناشطين في هذا القطاع.

وفي سياق هيكلة المنظومة الاقتصادية، يجري تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتنظيم تظاهرات كبرى من قبيل “Morocco Gaming Expo”، لتسليط الضوء على الإمكانات الوطنية وجذب الاستثمارات.

أرقام تعكس حجم الرهان

تعكس المؤشرات الاقتصادية حجم الطموح المغربي في هذا المجال؛ إذ بلغ رقم معاملات قطاع الألعاب الإلكترونية نحو 120 مليون دولار، متجاوزاً مداخيل قطاعات ثقافية أخرى مجتمعة. ويطمح المغرب إلى الاستحواذ على 1 في المائة من السوق العالمي، الذي تُقدّر قيمته حالياً بنحو 300 مليار دولار، مع توقعات ببلوغه 535 مليار دولار بحلول سنة 2033.

وفي أفق السنوات الخمس المقبلة، تستهدف الاستراتيجية الوطنية تحقيق رقم معاملات سنوي يقارب 5 مليارات دولار، إلى جانب خلق آلاف فرص الشغل، من خلال مشاريع كبرى مثل “مدينة الألعاب” التي يُنتظر أن توفر نحو 5000 منصب شغل، أغلبها مباشر، مع إدماج الشباب في أكثر من 70 مهنة جديدة.

استثمارات وبنية تحتية للمستقبل

وتُعد “Rabat Gaming City” من أبرز المشاريع المهيكلة التي تروم جعل العاصمة قطباً قارياً في صناعة الألعاب الإلكترونية، إلى جانب مشروع تحويل سوق الجملة القديم بالدار البيضاء إلى منصة دولية للألعاب، باستثمار يناهز 150 مليون درهم.

كما تم إطلاق برامج تكوين متخصصة، مثل “صانع ألعاب الفيديو”، واستقطاب مدارس دولية مرموقة، استناداً إلى معطى ديمغرافي أساسي يتمثل في أن 45 في المائة من سكان المغرب تقل أعمارهم عن 25 سنة، ما يوفر قاعدة بشرية قوية لهذا التحول.

في المحصلة، تراهن الرؤية المغربية على جعل الألعاب الإلكترونية محركاً حقيقياً للنمو الاقتصادي والارتقاء الاجتماعي، عبر اعتبار الشباب فاعلين وشركاء في صياغة السياسات العمومية، لا مجرد مستهلكين للتكنولوجيا. إنها رؤية تعتبر الاستثمار في الـGaming استثماراً مباشراً في مستقبل المغرب الرقمي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى