أخبار دولية

رمضان بين روحانية العبادة ولهيب الأسعار…حينما يتعارض الزهد مع الاستهلاك

مع مرور نصف شهر رمضان المبارك، تتجدد نفحات الإيمان، وتصطبغ الأيام بروحانية خاصة، حيث تصفو القلوب بالصيام، وتلهج الألسنة بالذكر، وتزداد الأواصر متانة بصلة الرحم والتكافل الاجتماعي.

غير أن المشهد في الأسواق يحكي قصة مغايرة؛ فبدل أن يكون رمضان شهر الزهد والاعتدال، يتحول لدى البعض إلى موسم للتهافت على الاستهلاك، حيث تتضاعف المشتريات، وترتفع الأسعار، وكأنما التبذير أصبح سمة ملازمة لهذا الشهر الفضيل.

في الأسواق، تبدو صورة مغايرة لتلك القيم التي يدعو إليها رمضان. فالارتفاع الصاروخي للأسعار يفرض نفسه بقوة، لتصبح بعض السلع الأساسية خارج متناول الفئات ذات الدخل المحدود. الطماطم، التي تعتبر من أساسيات المائدة المغربية، شهدت قفزة غير مسبوقة، والفواكه ارتفعت بنسبة تجاوزت 50%، لتتحول بعض الأنواع، مثل التفاح والموز، من ضروريات إلى كماليات. أما الأسماك، التي يزداد الإقبال عليها في هذا الشهر، فقد تجاوزت أسعارها قدرة الكثيرين، فيما بقيت أسعار اللحوم مرتفعة رغم القرارات الحكومية الأخيرة، ومنها إلغاء عيد الأضحى.

السبب؟ التجار يبررون ذلك بزيادة الطلب مقابل العرض، لكن الواقع يشير إلى ممارسات احتكارية ومضاربة مفتعلة يقودها بعض الوسطاء، ممن يستغلون ظرفية الشهر لتحقيق أرباح سريعة، دون مراعاة للقدرة الشرائية للمواطن.

ما يثير الاستغراب أن هذا الغلاء لم يثنِ البعض عن شراء كميات كبيرة من المواد الغذائية، وكأن الشهر الفضيل موسم للولائم الفاخرة لا للعبادة والتقشف. تمتلئ عربات التسوق، وتحمل الموائد أطباقا متعددة، لا يستهلك بعضها لينتهي به المطاف في القمامة، في تناقض صارخ مع معاناة أسر لا تجد قوت يومها.

أليس الصيام درسًا في ضبط النفس وكبح الشهوات، بما فيها شهوة الاستهلاك؟ وأليس رمضان مناسبة لاستشعار معاناة الفقراء، بدل المبالغة في الإنفاق على ما قد لا يكون ضروريًا؟

في ظل هذه الأزمة، يصبح من الضروري إعادة النظر في أنماط الاستهلاك خلال رمضان. فبدل الانسياق وراء موجة الشراء العشوائي، يجب ترشيد الإنفاق، والتخلي عن العادات التي تجعل من هذا الشهر موسما للتبذير بدل التقشف. كما أن المسؤولية تقع أيضا على عاتق الجهات المعنية، التي يتوجب عليها فرض رقابة صارمة على الأسواق، وردع كل من يتلاعب بالأسعار على حساب معاناة المواطنين.

إن رمضان ليس مجرد صيام عن الطعام، بل هو مدرسة سلوكية تعلمنا الزهد والقناعة والتضامن. فهل آن الأوان لنعيش رمضان بروحانيته الحقيقية، أم سنبقى أسرى لاستهلاك مفرط يفرغ الشهر من جوهره؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى