أفادت مصادر مقربة ل “صباح طنجة” أن السلطات المحلية بالدائرة الحضرية مرس الخير المجمع الحسني، بمقاطعة بني مكادة في طنجة، قد شنت صباح اليوم الخميس، حملة واسعة لتحرير الملك العمومي المحتل من طرف الباعة المتجولين “الفراشة” دون سند قانوني، والذين أصبحوا يحتلون بشكل سافر الشوارع الرئيسية والأرصفة الآمنة المخصصة للراجلين، وما ينتج عن ذلك من اختناق وازدحام مروري كبير، يؤدي إلى عرقلة السير والجولان في أكثر من مكان ونقطة، ويحدث بها اختلالات عميقة على مستوى النظام والأمن.
إلى ذلك، فقد قاد القائد “بنحمزة محمد رضى” رئيس الملحقة الإدارية 23 بمؤازرة قائد الملحقة الإدارية 24 المجاورة، وبدعم من عناصر فرقة الحرس الترابي “القوات المساعدة” العاملة بنفس الملحقة الإدارية المعنية، وأعوان السلطة المحلية التابعين لها، حملة تمشيطية واسعة النطاق بشارع المملكة العربية السعودية وملحقاته، وبمحيط سوق حي بئر الشفاء، لمحاربة احتلال الملك العام من طرف الباعة المتجولين الذين أصبحوا يحتلونها مؤخرا بشكل ملفت لعرض سلعهم فيها، دون الخضوع للأنظمة الجبائية والضريبية المعمول بها، ودون الحصول على الرخص الضرورية بشكل مسبق من لدن المصالح الإدارية المختصة، بعدما أصبحت هذه الوضعية الشاذة، تهدد الكثير من التجار المنظمين الذين يؤدون الرسوم والضرائب للدولة بالإفلاس، بسبب المنافسة الغير المتكافئة مع الباعة المتجولين التي غالبا ما يكون المستهلك هو أول ضحاياها الرئيسيين، ودون أن تكون تلك السلع خاضعة للمراقبة وللضوابط القانونية المعمول بها.
هذا، وأسفرت هذه العملية النوعية التي لاقت استحسانا وارتياحا كبيرا لدى الساكنة المتضررة وعموم المواطنين ومستعملي الطريق، عن حجز العديد من الطاولات الخشبية وإزالة وتفكيك أكثر من 205 كوخ بلاستيكي كانت تستخدم في تخزين وعرض السلع على قارعة الطريق وجنباتها وطولها بشكل أكثر من مستفز من قبل الفراشة وأغلبهم وافدون على المنطقة من خارج المدينة لممارسة البيع بالتجوال، فضلا عن اتخاذها خلال الليل أوكارا آمنة لتجمع المتشردين ، والمدمنين لاستهلاك المخدرات ومعاقرة الخمر وممارسة الفساد داخلها بعيدا عن أعين المخزن.
إلى ذلك، فقد لقيت السلطة المحلية المعنية بداية الأمر، مقاومة شرسة من قبل بعض الباعة المتجولين في محاولة يائسة منهم لتهديدها وثنيها عن إتمام مهمتها في إخلاء الفضاءات العمومية المستهدفة بالتدخل بغرض إخلائها من محتليها، غير أن الصرامة التي استخدمت في إنزال القانون، دفعت باقي الباعة المتجولين إلى الانسحاب من الشارع العمومي المحتل من طرفهم، والاستجابة الفورية للأمر الإداري القاضي بإخلاء الأماكن المحتلة المذكورة.
معلوم أن ظاهرة الباعة المتجولين وإن كانت سمة مشتركة بين جميع المدن الكبرى للمملكة وتحتاج إلى مقاربة اجتماعية عامة حقيقية وعاجلة، فإنها ازدادت حدة في الآونة الأخيرة بشكل لافت للنظر، وخاصة بالمدن التي تعرف رواجا تجاريا واقتصاديا وسياحيا كطنجة، لأسباب عديدة من أبرزها الفقر والبطالة وقلة فرص الشغل، خاصة بعد التسريحات التي عرفتها معامل كثيرة بالمدينة، بالإضافة إلى تنامي الهجرة من مدن الداخل والمدن المجاورة مؤخرا إلى طنجة، بالإضافة إلى تأخر المجالس المنتخبة في افتتاح غالبية أسواق القرب بالمدينة التي من شأنها أن تحتضن هذه الفئة من المجتمع.
وحسب المتتبعين للشأن المحلي بطنجة، فجل أسواق طنجة تعرف اختلالات عميقة، على المستويين التنظيمي والهيكلي، نتيجة سنوات طويلة من الفساد والإهمال الممنهج وسوء التدبير، التي لم تبذل خلالها المجالس المنتخبة المتعاقبة أي مجهود حقيقي لإصلاح هذه الأسواق، أو إحداث أخرى جديدة، لمواكبة التطور الديموغرافي والعمراني المطرد الذي تشهده طنجة كمدينة إستراتيجية منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، بعدما أبدت الجماعة الحضرية لطنجة، في مناسبات عديدة، عجزها التام عن إخراج مشروع تأهيل الأسواق إلى حيز الوجود لغياب إرادة حقيقية للرفع من مداخل المرافق التابعة للجماعة كالأسواق، الشيء الذي أكده تقرير اللجنة المالية المرفق لمشروع الميزانية لسنة 2011 الذي عرض على دورة المجلس في جلستها المنعقدة بتاريخ 17 دجنبر 2010.
وهكذا، فقد انتهت جل المشاريع، التي استهدفت تأهيل قطاع تجارة المواد الاستهلاكية، إلى الفشل الذريع، خاصة تلك المرتبطة بهيكلة الأسواق وتنظيمها، بعد أن أصبحت ظاهرة الفوضى واحتلال الفضاءات العامة (الشوارع، الأزقة، الساحات)، من قبل الباعة وتحويلها إلى أماكن مفتوحة لعرض السلع، السمة البارزة والمميزة لهذا القطاع النشيط.
غير أن الغريب في الأمر، وما يستلزم تسجيله في هذا السياق، هو كون المشاريع الفاشلة المشار إليها، لم تشكل أبدا موضوع مساءلة من قبل الهيئات الوصية على حماية المال العام، سواء القضائية أو تلك التابعة لوزارة الداخلية، علما أن هذه المشاريع استنزفت اعتمادات مالية كبيرة من جيوب دافعي الضرائب، تم رصدها لإنجاز الدراسات الأولية، بل ثمة مشاريع أعطيت انطلاقة أشغالها، لكنها توقفت فجأة، وبدون أي سبب موجب لذلك، ما يطرح علامات استفهام مريبة حول حقيقة هذه المشاريع، ومآل الأموال التي استنزفتها، وهوية الجهات المستفيدة منها؟!.
لقد كان الرهان كبيرا على برنامج الهيكلة الحضرية، الذي تمت أجرأته ميدانيا سنة 2005، بغلاف مالي يصل إلى 705 مليون درهم، لإعادة الاعتبار إلى الأسواق التجارية، لكن آمال المهنيين والمهتمين بالشأن العام للمدينة، خابت مرة أخرى، إذ رغم مرور حوالي ست سنوات على انطلاق هذا البرنامج مازالت دار لقمان على حالها، بل تفاقم وضعها أكثر مما كانت عليه، الذي يتجلى بوضوح من خلال الحالة المتردية لسوق حي بئر الشفاء الذي ما زال في وضعية متردية جدا، سواء تعلق الأمر بهيكله المعماري، أو بالجانب الصحي الكارثي، أو التنظيمي لمختلف أنشطته التجارية، في انتظار ترحيله إلى سوق القرب بحي كورزيانة.
غير أنه ومع تعيين “محمد اليعقوبي” بصفة رسمية واليا على جهة طنجة تطوان الحسيمة سنة 2015، وظهور أسواق القرب كمشاريع ملكية اجتماعية وسوسيواقتصادية طموحة وعملية تندرج في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، عاد الأمل من جديد في إصلاح الاختلالات المذكورة، وبالتالي إنجاز البنيات التحتية التجارية الجديرة بالمستوى الحضري والموقع الاستراتيجي، والمكانة الاقتصادية المتميزة لمدينة طنجة، التي أصبحت من ضمن الرهانات التنموية المركزية على الصعيدين الوطني والمتوسطي برعاية سامية ودعم من أعلى سلطة في البلاد.