جلالة الملك محمد السادس يرسم معالم مقاربة جديدة للشراكات الدولية وتدبير ملف الهجرة 

FB_IMG_1791725558082

إبراهيم زباير الزكراوي 

رسم جلالة الملك محمد السادس في خطاب افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة، معالم مقاربة جديدة للشراكات الدولية، وتدبير ملف الهجرة، واضعاً قواعد واضحة للعلاقات مع الشركاء الأوروبيين، وفي مقدمتهم إسبانيا.

و جاء الخطاب بمثابة إعلان سياسي صريح يرفض توظيف ملف الهجرة كورقة ضغط أو ابتزاز، ويدعو إلى مراجعة جذرية لنموذج التعاون القائم .

محددا مبدأً أساسياً يحكم العلاقات الخارجية للمملكة، ومؤكداً أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي، ولا يمكن أن تكون أبداً محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز . وشدد على أن المغرب شريك مسؤول وموثوق يفي بتعهداته، وينتظر من شركائه نفس المعاملة .

ويأتي هذا التأكيد في سياق تصريحات سياسية وإعلامية وصفها الخطاب بأنها “غير مسؤولة”، تستهدف توظيف ملف الهجرة لأغراض انتخابية أو مزايدات سياسية . واعتبر جلالته أن هذه الممارسات تتنافى مع منطق الشراكة الحقيقية القائمة على الاحترام المتبادل .

وفي اعتراف صريح، أكد جلالة الملك أن النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة أصبح متجاوزاً، وأن الأزمات المتكررة خير دليل على استنفاد هذا النموذج لقدرته على الاستجابة للتحديات الراهنة .

وخص الخطاب بالذكر الشراكة مع إسبانيا، التي “عرفت تطورات مهمة في مختلف المجالات، بما فيها محاربة الهجرة غير الشرعية”، لكنها “تواجه تحديات كبيرة مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية المتجاوزة والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع” . وأوضح أن هذه العقبات “ تحول دون ترحيل الأطفال القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتغذي أطماع الشبكات الإجرامية”.

وأعلن جلالته أن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لوجه جديد من الشراكة . وترتكز هذه الرؤية على ثلاثة محاور أساسية: تعزيز التنمية المشتركة، والتنافسية الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي .

وتهدف هذه المبادرة إلى تجاوز المقاربات التقليدية في تدبير ملف الهجرة، وإرساء شراكات مستدامة تستجيب للتحديات المطروحة وتحقق المصالح المشتركة للأطراف المعنية.

ولم يقتصر الخطاب على الشؤون الخارجية، بل تناول أولويات داخلية حاسمة، حيث دعا إلى وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، من خلال تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص في التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي .

وفي مجال الأمن الاستراتيجي، شدد على إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، مهيبا بالقطاع الخاص الوطني للارتقاء إلى “فاعل استراتيجي” في التحول التنموي.

وفي الضفة الأخرى، حظي الخطاب بتفاعل الصحافة الإسبانية، ومتابعة خاصة من الإعلام الرسمي والخاص، حيث تم التركيز بالأساس على الرسائل المرتبطة بالعلاقات بين المغرب وإسبانيا، وتدبير ملف الهجرة، ومستقبل التعاون بين البلدين، في ظل التوترات الأخيرة عقب أزمة العبور لمدينة سبتة المحتلة.

وأفرزت وسائل إعلامية إسبانية مرموقة حيزا مهما للخطاب الملكي، الذي جاء في إبان وسياق إقليمي حساس، معتبرين أول موقف علني للملك محمد السادس بشأن الأزمة.

القناة التلفزية العمومية RTVE سلطت الضوء على تحذير جلالة الملك محمد السادس من توظيف بعض الأوساط الإسبانية السياسية والإعلامية لأزمة الهجرة والركوب عليها لتصفية حسابات بغرض انتخابي أو ابتزازي.

مؤكدا على أن الشراكة بين البلدين لن تؤثر فيها مثل هكذا ممارسات الضغط أو التهديد أو الابتزاز. 

وربطت القناة بين توقيت الخطاب وزيارة فيليبي السادس ملك إسبانيا لسبتة المحتلة. 

صحيفة ” إلباييس ” الإسبانية، ركزت على رفض الملك محمد السادس إخضاع التعاون الثنائي لأي ضغوط، معتبرة أن الخطاب يفتح النقاش بشأن مستقبل الشراكة بين البلدين، خصوصا في مجال الهجرة. 

وتوقفت الصحيفة عند إعلان المغرب التوجه نحو تقديم تصور استراتيجي جديد للتعاون يقوم على تعزيز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي. 

من جانبها وكالة الأنباء ” إيفي، EFE ” ،اهتمت بالرسائل الموجهة من قبل العاهل المغربي إلى بعض الأوساط السياسية والإعلامية في إسبانيا، مسلطة الضوء على انتقاده ما وصفه بتصريحات غير مسؤولة بشأن ملف الهجرة، وعلى تأكيده أن الشراكة بين البلدين خيار استراتيجي لا ينبغي أن يكون موضوعا للضغط والتهديد، مبرزة كذلك إقرار الملك بوجود حاجة إلى مراجعة النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة، إلى جانب الإعلان عن مبادرة مغربية جديدة تروم تعزيز التنمية المشتركة والتنافسية والاستقرار الإقليمي. 

وتناولت وسائل إعلام إسبانية أخرى، من بينها وكالة ” أوروبا برس/ Europa Press ” مضامين الخطاب، مع التركيز على حديث الملك عن الأزمة الأخيرة مع إسبانيا، ورفض اخضاع العلاقات الثنائية لأي شكل من أشكال الابتزاز ،فضلا عن دعوته إلى إعادة توجيه التعاون بين البلدين على أسس أكثر وضوحا وفعالية.