الفوضى الإعلامية… حين يتحول “البوز” إلى خطر على الوطن

كشفت الأحداث الأخيرة التي عرفتها سبتة أن المشهد الإعلامي في المغرب لم يعد يواجه فقط تحدي الأخبار الزائفة، بل أصبح يعيش حالة من الفوضى غير المسبوقة، بعدما اختلطت الصحافة المهنية بمنصات تبحث عن المشاهدات، وأصبح كل من يملك هاتفاً وميكروفوناً يعتبر نفسه صحفياً.
في خضم كل أزمة، يتسابق البعض إلى نقل الصور وبث الفيديوهات وأخذ التصريحات دون أدنى احترام لقواعد التحقق أو أخلاقيات المهنة، وكأن الغاية لم تعد نقل الحقيقة، بل تحقيق أكبر عدد من المشاهدات والتفاعلات، حتى وإن كان الثمن تشويه صورة المؤسسات، أو المساس بكرامة المواطنين، أو تقديم مادة خام تستغلها جهات خارجية للإساءة إلى المغرب.
الصحافة ليست سباقاً نحو “الترند”، وليست كاميرا تُشغَّل في كل شارع، ولا ميكروفوناً يحمل اسماً شخصياً. إنها مسؤولية قبل أن تكون مهنة، ورسالة قبل أن تكون وسيلة لتحقيق الأرباح. ولهذا وضعت دول كثيرة ضوابط واضحة لممارسة العمل الصحفي، حمايةً للمجتمع، وصوناً لحقوق الأفراد، وضماناً لمصداقية الإعلام.
أما اليوم، فقد أصبح من الصعب على المواطن التمييز بين الصحفي المهني وصانع المحتوى، وبين المؤسسة الإعلامية والمنصة التي لا همّ لها سوى الإثارة. هذا الخلط لا يضر بالمهنة وحدها، بل ينعكس على صورة البلاد، ويمنح خصومها مادة جاهزة لتضخيم كل حدث وإخراجه من سياقه.
إن حرية التعبير مكسب دستوري لا نقاش فيه، لكنها لا تعني غياب المسؤولية. فحرية النشر يجب أن تقترن بالتحقق، واحترام القانون، ومراعاة المصلحة العامة، بعيداً عن ثقافة الإثارة والسبق بأي ثمن.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للصحافة المهنية، وتشجيع الإعلام الجاد، ووضع حد للفوضى التي أفرزها خلط الأدوار بين العمل الصحفي وصناعة المحتوى. فالدول لا تحمي حدودها فقط، بل تحمي أيضاً فضاءها الإعلامي، لأن الأمن الإعلامي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني.



