الواقع المر والحلم المستحيل

متابعة: إبراهيم زباير الزكراوي
الجزء الثاني: فرضيات لمقاربة الإجابة عن أسباب النزوح
طرحنا في الجزء الأول تساؤلات عن أحداث سبتة المحتلة تساؤلات/ فرضيات… وفي الجزء الثاني، سنحاول قدر الإمكان مقاربتها لإيجاد إجابات عنها…
لم تعد أزمة ” العبور ” أو ” الهروب ” الجماعي مجرد موجة هجرة غير نظامية أو قانونية، أو ظاهرة عابرة، عفوية، بل تحولت إلى قضية متداخلة الاعتبارات والدوافع، الأمنية، والسياسية، والقانونية، والإنسانية، والجيو- سياسية، من هنا تأتي المقاربات / الفرضيات التالية:
● ما شهدته سبتة المحتلة، يتجاوز في دلالاته ملف الهجرة، والمفروض إعادة التفكير في إدارة الحدود، والعلاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا.
● رغم الإشادة بالتعاون الأمني، ومكافحة الهجرة الغير القانونية، بين الرباط ومدريد فإنه ( التعاون ) لن يصل إلى مستوى المثالي، والدليل وصول قرابة 60 ألف ” نازح ” خلال 24 ساعة من مناطق مختلفة من المغرب.
● هناك خلل في منظومة التعاون بين البلدين، أو العكس، هناك ” تفاهمات ” سمحت لعبور هذه الجحافل البشرية بشكل غير مسبوق، ما جعل مراكز الإيواء عاجزة عن استيعاب كل هذا الكم الهائل من الواصلين للثغر المحتل، واضطرار المتاجر وكل المرافق للإغلاق ، وبالتالي تعطيل الحياة العامة/ اليومية.
● من العوامل المساهمة في تفجر هذه الأزمة:
☆ قرار المحكمة العليا الإسبانية المقيد لعمليات الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يصلون عبر البحر، الذي أتاح لشبكات الهجرة السرية وشبكات التهريب الدولي الفرصة لاستغلال ذلك في الترويج لسهولة ولوج الثغريت المحتلين ( سبتة ومليلية ).
☆ التقارب الذي شهدته العلاقات بين إسبانيا والجزائر، بعد الزيارة الأخيرة لبيدرو سانشيز للجزائر، ومناقشة مشروع قانون يمنح الجنسية الإسبانية لآلاف المرتزقة من جبهة البوليزاريو الانفصالية( سبق لحكومة سانشيز تسوية وضعية خمسة آلاف مغربي ).
هناك من يرى أن الأزمة نموذج لتحولات النظام الدولي، حيث يشهد العالم بروز أنماط جديدة من الصراعات، بانتفاضة دول أقل قوة من ممارسة ضغوط كبيرة على الدول الأكثر قوة، من خلال وسائل غير عسكرية نظير الهجرة أو التحكم في الممرات الاستراتيجية، وبحكم موقع إسبانيا والمغرب الجغرافي جعلهما في مواجهة تحديات جيو- سياسية متنامية في ظل الفوارق الاقتصادية والديموغرافية بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
وهنا يطرح السؤال: هل تحولت الحدود إلى ضغط سياسي من أجل مكاسب استراتيجية؟
فعدم الاستقرار غالبا ما يستغله الفاعلون لتعزيز مواقعهم، فشبكات تهريب البشر لها دورها، وهدف إسقاط حكومة بيدرو سانشيز من قبل اليمين، واليمين المتطرف في إسبانيا، خصوصا مناهضي تسوية ملفات المهاجرين، بالإضافة إلى شبكات منظمة تستغل كل حدث في البلدين، ناهيك عن تصفية حسابات مغربية، جزائرية، إسبانية، فرنسية، ودخول أطراف أخرى لا مصلحة لها في حقوق المغرب، ولكنها تستعمل ذلك لمصالحها.
حتى حلفاء إسبانيا من الأوروبيين ألقوا اللوم عليها، حيث تحول الحدث إلى نقطة تتقاطع فيها رهانات إقليمية ودولية تتجاوز العلاقات الثنائية بين الرباط ومدريد، وتمتد إلى مستقبل الاتحاد الأوروبي، وتوازناته الداخلية.
الأزمة كذلك وجدت صداها لدى أحزاب اليمين، واليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، موجهة اللوم وانتقاد الحكومة الإسبانية ،الاشتراكية، بل هناك أطراف دخلت على الخط، وهي الساعية منذ أمد بعيد لإضعاف الاتحاد الأوروبي.
وبالعودة إلى العبور الجماعي لباب سبتة المحتلة، فإن أصواتا إسبانية لم تعف الحكومة الإسبانية من المسؤولية، مسؤولية عدم توفير الإمكانيات الأمنية الكافية لتفادي ذلك، خاصة وأن هناك مؤشرات كانت تنذر بتصاعد الضغوط، والتأخر في اتخاذ إجراءات على الحدود البحرية بعد قرار المحكمة العليا الإسبانية، وهذا لا يعفي الجانب المغربي من المسؤولية كذلك، حيث غابت الحراسة، وتراجعت المراقبة، الشيء الذي استغلته شيكات الهجرة السرية، كما استغلت أحلام الشباب والمراهقين بل حتى القاصرين.
طبيعة الحدث، تفرض مقاربة واسعة تجمع بين الإنساني والسياسي، والقانوني، والدبلوماسي:
فالدوافع السياسية نجملها في ” قرصة الأذن التي تلقاها سانشيز بعد” تفاهمات” لقائه مع الرئيس الجزائري تبون.
والجانب الإنساني يتمثل في الهبة الشبابية النازحة نتيجة فشل السياسات الحكومية ( الغلاء ،العطالة التي وصلت إلى مليوني عاطل حسب تقرير للمندوبية السامية للتخطيط ) و13 في المائة حسب تقرير ” بنك المغرب ” المقدم مؤخرا لجلالة الملك. بالإضافة للتفاوتات المجالية، والأزمة المجتمعية التي أدت إلى تآكل الرأسمال السياسي بين المجتمع والدولة.
ناهيك عن عفوية أسراب القاصدين سبتة السليبة( موظفون، أسر بأكملها، مستخدمون،أبطال رياضيون ، أفراد من مختلف الشرائح المجتمعية التي فقدت الثقة في رتق الفجوات بين ما يستثمر فيه المغرب،وانعكاسه على المعيش، والواقع اليومي على الأرض، وذاك ما نبه إليه ملك البلاد في عدة خطب، وما رصده بنك المغرب، والمندوبية السامية للتخطيط.
لذلك فالمغرب يحتاج لمراجعة سبل استثمار التنمية الاجتماعية خدمة للفرد.
في الجزء الثالث سنتناول تداعيات محاولات ” الهروب الجماعي “.



