أخبار دولية

بين المبادرة البرلمانية و”حراسة” النصوص… من يصنع جودة التشريع في المغرب؟

 

بعد الجدل الذي رافق حصيلة المبادرة التشريعية البرلمانية وتباين القراءات السياسية لأسباب تعثر عدد من مقترحات القوانين، يتجه النقاش اليوم نحو البعد التقني الذي يتحكم في جودة النصوص القانونية، ودور المؤسسات المكلفة بضمان انسجامها مع المنظومة التشريعية الوطنية.

في هذا السياق، تؤكد نادية التهامي، نائبة رئيس مجلس النواب، أن النظام الداخلي للمجلس أقر آليات تنظيمية جديدة لمواكبة مقترحات القوانين، من بينها تخصيص اجتماع شهري لدراسة هذه المبادرات والتأكد من عدم مساسها بالتوازنات المالية أو خروجها عن مجالات التشريع المحددة دستورياً.
وأوضحت أن لجنة تقنية محدثة منذ تعديل النظام الداخلي لسنة 2023 تتولى مساعدة النواب على ضبط الصياغة القانونية وضمان انسجام المقترحات مع الدستور، خاصة الفصلين 71 و77، مشيرة إلى أن هذه الآلية مكنت من دراسة أكثر من 140 مقترحاً وتقديم ملاحظات لتجويدها قبل إدراجها في المسار التشريعي.

وترى المؤسسة التشريعية أن هذه المقاربة تهدف إلى سد الثغرات الشكلية التي قد تُتخذ مبرراً لرفض المبادرات البرلمانية، وتعزيز قدرة الفرق النيابية على التفاعل مع السلطة التنفيذية من موقع أقوى.

في المقابل، يثير خبراء القانون الدستوري مسألة التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. ويعتبر رشيد المدور أن هناك اختلالاً بنيوياً ناتجاً عن فلسفة “العقلنة البرلمانية” التي منحت الحكومة أسبقية عملية في جدول الأعمال، رغم أن الدستور يقر مبدئياً المساواة في حق المبادرة التشريعية.
وأشار إلى أن الفصل 82 من دستور 2011 حاول إعادة التوازن من خلال تخصيص يوم شهري على الأقل لدراسة مقترحات القوانين، غير أن تفعيل هذا المقتضى ظل محدوداً، ما ساهم في بطء برمجة عدد كبير من النصوص.

ومن زاوية أخرى، تلعب الأمانة العامة للحكومة دوراً تقنياً يوصف بـ“حارس البوابة القانونية”، حيث تتولى عبر لجنة بين-وزارية فحص مقترحات القوانين للتأكد من مطابقتها للدستور، واحترامها لتراتب القواعد القانونية، وعدم تعارضها مع الالتزامات الدولية للمغرب.

ويؤكد عبد الخالق الدحماني أن هذا التدخل يظل قانونياً محضاً، يركز على سلامة الصياغة ووضوح المقتضيات وقابليتها للتطبيق، دون المساس بخيارات المشرّع السياسية، مع الاستئناس باجتهادات القضاء الدستوري والتشريعات المقارنة لتفادي التعارض والغموض.

وتكشف هذه المقاربة عن تعقيد مسار إنتاج القانون، إذ لا يتعلق الأمر فقط بإرادة سياسية أو مبادرة برلمانية، بل بمنظومة متكاملة من التدقيق التقني والمؤسساتي لضمان استقرار القاعدة القانونية.

على مستوى الحلول، أعلن مصطفى بايتاس عن العمل على تعميم نظام معلوماتي لتدبير العمل التشريعي وتسهيل التنسيق وتبادل المعطيات بين الفاعلين، بما يسرّع دراسة المبادرات ويعزز شفافيتها.
كما دعا محمد شوكي إلى إقرار مسطرة تشريعية مستقلة خاصة بمقترحات القوانين لتفادي ازدحام الأجندة، مع تحديد سقف عددي للمبادرات لضمان الجودة بدل تضخيم الأرقام.

في المقابل، تطالب مكونات المعارضة بآجال زمنية ملزمة لدراسة المقترحات داخل اللجان وإبداء الحكومة رأيها فيها، معتبرة أن غياب هذه الآجال يحوّل الحق الدستوري في المبادرة إلى إجراء شكلي أكثر منه آلية فعالة للتشريع.

وبين مقاربة تسعى إلى تجويد النصوص قبل ولادتها، وأخرى تنادي بتسريع مسارها بعد الإيداع، يظل التحدي المطروح هو تحقيق التوازن بين النجاعة التشريعية وضمان “الأمن القانوني”، حتى لا تتحول كثرة المبادرات إلى عبء إجرائي، ولا تتحول الرقابة التقنية إلى عائق أمام دينامية التشريع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى