الأحزاب القوية” في موريتانيا ترفض لقاء مبعوث لزعيم الانفصاليين في تندوف

مراسلة من مدينة الجديدة: إبراهيم زباير الزكراوي
قبل الانتخابات الرئاسية الموريتانية، حاولت ” البوليزاريو” جس نبض الأحزاب السياسية الموريتانية لمعرفة مواقفها تجاه جمهورية الوهم، لكن إجماعا لهذه الأحزاب وضمنها الحزب الحاكم حول رفض مبعوث المرتزقة، السالك ببيه، الذي لم ينل إلا فتات بعض الأحزاب الصغرى والغير مؤثرة في الساحة السياسية الموريتانية.
ويجدر التنويه إلى أن مواقف المرشحين السبعة لرئاسيات موريتانيا موحدة وداعمة للموقف الرسمي المغربي، بل ان موقف موريتانيا ظل موقف الحياد الإيجابي في هذا النزاع المفتعل حول أحقية المغرب في سيادته على صحرائه، وتعتبر حسب الأمم المتحدة طرفا في جلسات الحوار التي تدعو إليها من خلال تفعيل آلية الموائد المستديرة لتحريك الملف وإخراجه من النفق السياسي المظلم، كما يتسم الحقل السياسي الموريتاني، إلى حد ما مقارنة بدول الجوار الأخرى بنوع من الديمقراطية في تأسيس الأحزاب وفي مشاركتها في تأثيث المشهد السياسي الموريتاني، لا بد له أن يعرف نوعا من التأثر بطبيعة النزاع الدائر في المنطقة الإقليمية، وأن تحدد هذه الأحزاب مواقفها من المخططات الإقليمية الإستراتيجية التي تحدد مستقبل موريتانيا ومنطقة الساحل .
ولم يستسغ البوليزاريو وداعمتها الجزائر، فوز محمد ولد الشيخ الغزواني بولاية ثانية لقيادة موريتانيا، بحصوله على ما يناهز 56,12 في المائة من الأصوات، بعد فرز حوالي 82 في المائة من مكاتب الاقتراع التي يصل عددها 5403 عبر التراب الوطني الموريتاني، وحصل ولد الشيخ الغزواني على447 ألفا و392 صوتا بعد الانتهاء من فرز نتائج التصويت ل 3 آلاف و676 مكتب اقتراع، بل حصل على 56,12 في المائة من الأصوات، واحتل المركز الثاني الناشط الحقوقي المعارض عضو البرلمان بيرام ولد الداه ولد اعبيد بحصوله على 181 ألفا و246 صوتا أي 22,50 في المائة، وجاء مرشح حزب تواصل الإسلامي حمادي ولد سيد المختار ثالثا بحصوله على نسبة 12,97 في المائة.
وشهدت الانتخابات نسبة مشاركة على الصعيد الوطني قاربت 55 في المائة، وفق أرقام اللجنة المستقلة للانتخابات، التي أعلنت عن عدم تسجيل أي خروقات، وأن عملية الاقتراع جرت في ظروف مرضية، بينما تحدث مرشحو المعارضة حدوث تجاوزات وخروقات شملت التصويت المتكرر للأشخاص والتصويت بدون بطاقة تعريف، والتصويت بالإنابة وطرد ممثليهم من مكاتب التصويت بعد رفضهم للتجاوزات.
ويقدم الرئيس المنتهية ولايته نفسه على أنه الضامن لاستقرار هذا البلد، الذي لم يشهد أيّ هجمات منذ عام 2011، بينما تواجه مالي المجاورة ومنطقة الساحل عموماً الكثير من الهجمات.
وطيلة الحملة الانتخابية، تعهّد الرئيس الموريتاني بإحراز “انتصار ساحق في الجولة الأولى”، متخذا شعار ” الخيار الآمن ” لحملته، ووعد بمكافحة الفقر ودعم الشباب.
وهنأ ولد الغزواني الناخبين على مستوى إدراكهم المرتفع وعلى حسّهم الديمقراطي، مشيدا ب ”مناخ السلم والهدوء” يوم التصويت.
وباستمرار ولد الغزواني في تسيير دفة حكم موريتانيا، فإن قصر المرادية متوجس من هذا المنحى الذي اتخذته نتائج الانتخابات في بلد راهن عسكر الجزائر على اضعافه بجميع الوسائل، وتنتظر الغزواني في عهدته الثانية مجموعة من الملفات والتحديات الكبرى، أبرزها التحدي الداخلي المرتبط بالارتقاء بالوضع الاقتصادي والتنموي للبلاد، خاصة أنه في برنامجه الانتخابي شدد على ثنائية الشباب والتنمية، إضافة إلى تحديات خارجية مرتبطة بتدبير علاقات بلاده مع محيطها الإقليمي في ظل التحديات الجيو-سياسية التي تواجهها المنطقة، ما بات يفرض، حسب مراقبين، على جميع الدول تعديل خيارات سياساتها الخارجية لتتناسب مع التغيرات التي يشهدها السياق الإقليمي والدولي.
في هذا السياق تبرز علاقات نواكشوط والرباط اللتين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ ووحدة المصير، إضافة إلى الانتماء إلى مجموعة من المنظمات الإقليمية والدولية، على غرار الاتحاد الإفريقي واتحاد المغرب الكبير، إذ يمثل المغرب عمقا إستراتيجيا لموريتانيا، وهو ما يضمن حسب مهتمين استدامة العلاقات بين البلدين خلال الولاية الثانية للغزواني وتشبث بلاده بمواقفها تجاه القضايا المصيرية بالنسبة للمملكة، مع العمل على إدماج البُعد التنموي المشترك في هذه العلاقات.
وظلت العلاقة مع موريتانيا منتمية باستمرار إلى دائرة الرهانات والأولويات المحورية في السياسة الخارجية للمغرب، فهي تشكل عمقا إستراتيجيا حيويا تفرضه حتمية الجوار الجغرافي ووجود منظومة من المصالح المشتركة، غير أن الحرص المغربي على الحفاظ على علاقات جيدة واستراتيجية مع الجار الجنوبي لم يكن يقابله التوجه نفسه من قبل النظام الموريتاني، حيث كانت نواكشوط تنزع نحو توظيف النزاع حول الصحراء المغربية وحالة الاستقطاب بين المغرب والجزائر من أجل تحقيق منافع كانت في كثير من الأحيان تبتعد عن دائرة المصالح المشتركة مع المغرب ، ولنا في الاعتراف بجبهة البوليساريو، وتبني ما سمي ‘الحياد الإيجابي’ في ملف الصحراء، واستقبال وفود الجبهة بشكل رسمي ومستمر خير مثال.
ولا يتوقع أن تخضع هذه التوجهات الموريتانية، لمراجعة بعد التجديد للرئيس ولد الغزواني، إلا أنه وجب التأكيد أن المملكة المغربية استطاعت أن تؤسس لبنية من العلاقات ومن المصالح الحيوية المشتركة المتسمة بالديمومة والاستمرار مع موريتانيا، إذ أضحى المغرب اليوم عاملا رئيسيا في تحقيق الأمن الغذائي للدولة الموريتانية، وهو بصدد إدماجها التدريجي والناعم في رؤيته وسياساته الإقليمية التي تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الجيوسياسية للدولة الموريتانية، مثل المبادرة الأطلسية.
ويرتقب أن ترتقي كل هذه القضايا ضمن أولويات الرئيس الموريتاني وأجندته الخارجية خلال الولاية الثانية، اعتبارا لارتباطها بمنظومة المصالح الحيوية للدولة الموريتانية أكثر من أي وقت مضى، خصوصا وأن ولد الغزواني خبر السياسة وفهم لعبتها في بلاده، بل جرب حتى حكام الجوار، وأصبح يعرف من الأفضل لموريتانيا.
إلى جانب إعادة انتخاب الغزواني، فإن العلاقات المغربية الموريتانية ظلت غير خاضعة لمنطق تغير الزعامات السياسية بموريتانيا بقدر ما انبنت دوما على المصلحة الفضلى لهذا البلد، التي أثبتت التجارب أنها تكون أكثر مع المغرب مقارنة مع دول أخرى، بالنظر إلى الجوار المشترك والمصالح الاقتصادية والأمنية والتحديات التي تواجه موريتانيا، وتساهم الرباط إلى جانب نواكشوط في ربح رهاناتها.
كما ظلت قضية الصحراء المغربية في مقدمة القضايا التي تحظى باهتمام القوى الدولية الكبرى والإقليمية على حد سواء، ومن ضمنها موريتانيا التي بدأ موقفها يخرج من المنطقة الرمادية، إذ عبرت غير ما مرة عن مناصرتها الشرعية الدولية في معالجة هذا الموضوع، ولو أن بعض الحوادث المعزولة عكرت صفو هذا الموقف، خاصة مع استقبال بعض المسؤولين في التنظيم الانفصالي، غير أن ذلك لن يعيق مسار تطوير موقف موريتانيا في اتجاه الإقرار الصريح بجدية ومصداقية مقترح الحكم الذاتي كحل لهذه القضية، بحكم أن
منطق المصلحة هو الذي يحكم الخلفيات التي تنطلق منها مواقف موريتانيا، وهو توجه سائد في نظرية العلاقات الدولية، والمؤكد في حالة نواكشوط أنها لن تساير الأهواء الجزائرية، خاصة في موضوع التكتل المغاربي المُقزم الذي ولد ميتا، ولن تتوانى لحظة واحدة في الدفاع عن مصلحتها التي تكمن في النظر إلى الواقع وعدم القفز عليه مع استخلاص الدروس والعبر من المراحل الماضية.



