طنجة تتقدم في الخريطة الاقتصادية للمغرب.. ثلاث جهات تستحوذ على نحو 58% من الثروة الوطنية

تكشف معطيات حديثة صادرة ضمن تقرير BTI 2026 حول المغرب، عن استمرار تمركز النشاط الاقتصادي في عدد محدود من الجهات، حيث تستحوذ ثلاث جهات فقط على أكثر من نصف الثروة الوطنية، في مقدمتها الدار البيضاء-سطات، ثم الرباط-سلا-القنيطرة، تليهما جهة طنجة-تطوان-الحسيمة.
وبحسب التقرير، الذي أعدته مؤسسة Bertelsmann بالاعتماد على معطيات المندوبية السامية للتخطيط، تمثل الدار البيضاء-سطات حوالي 31.4% من الثروة الوطنية، مقابل 16.1% لجهة الرباط-سلا-القنيطرة، بينما تصل مساهمة طنجة-تطوان-الحسيمة إلى 10.4%.
وبذلك، تجمع الجهات الثلاث ما يقارب 57.9% من الثروة المنتجة على الصعيد الوطني، في وقت لا تزال فيه باقي الجهات تتقاسم النسبة المتبقية، وهو ما يعكس استمرار التفاوت في توزيع النشاط الاقتصادي والاستثمارات بين مختلف مناطق المملكة.
ويعكس الحضور المتقدم لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة التحول الاقتصادي الذي عرفته المنطقة خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتقلت من اقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على الأنشطة التقليدية إلى قطب صناعي ولوجستي يرتبط بشكل مباشر بحركة التجارة الدولية.
وتشكل طنجة والمنطقة المحيطة بها المحرك الأساسي لهذا التحول، بفضل توسع الصناعات الموجهة للتصدير، وعلى رأسها قطاع السيارات، إلى جانب الأنشطة اللوجستية والخدمات المرتبطة بالموانئ والمناطق الصناعية.
كما تؤكد معطيات رسمية أخرى هذا المسار التصاعدي، إذ ارتفعت مساهمة جهة طنجة-تطوان-الحسيمة في الناتج الداخلي الخام من 9.6% إلى 10.6%، مع تسجيل دور بارز لصناعة السيارات في دعم هذا التطور.
لكن ارتفاع الوزن الاقتصادي للجهة لا يعني بالضرورة أن ثمار هذا النمو تصل بالدرجة نفسها إلى جميع سكانها أو إلى مختلف أقاليمها. فالجهة تمتد على مناطق ذات مؤهلات اقتصادية متفاوتة، وتشمل طنجة وتطوان والحسيمة والعرائش وشفشاون ووزان والمضيق-الفنيدق والفحص-أنجرة، حيث تختلف مستويات الاستثمار وفرص العمل والدخل والبنيات والخدمات.
ومن هنا، يطرح الصعود الاقتصادي لطنجة والشمال إشكالية تتجاوز مجرد احتساب نسبة مساهمة الجهة في الثروة الوطنية، لتتعلق بمدى قدرة النمو الصناعي والاستثمارات الكبرى على خلق فرص شغل مستدامة وتحسين مستوى العيش وتقليص الفوارق داخل الجهة نفسها.
ويضع تقرير BTI هذا المعطى ضمن تحدٍّ أوسع يواجه الاقتصاد المغربي، يتمثل في استمرار التفاوتات المجالية والاجتماعية، رغم التطور الملحوظ الذي عرفته البنية التحتية وتوسع القطاعات الصناعية والاستثمارات الكبرى.
وتأتي هذه المعطيات في وقت تتجه فيه التوقعات الاقتصادية إلى تسجيل نمو يقارب 5% خلال سنة 2026، بدعم من الاستثمارات العمومية وتطور قطاعات الصناعة والبنية التحتية، غير أن تحسن مؤشرات النمو لا يزال، وفق التقرير، غير كافٍ وحده لمعالجة تحديات البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب.
وهكذا، أصبحت طنجة رقماً أساسياً في معادلة الاقتصاد المغربي، لكن التحدي المقبل لا يرتبط فقط بالحفاظ على موقعها ضمن أكبر الأقطاب الاقتصادية للمملكة، بل بتحويل قوة الإنتاج والاستثمار والتصدير إلى مزيد من فرص الشغل وتحسين الدخل والخدمات وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.



