تعثر الوساطات البرلمانية يثير تساؤلات حول نجاعتها في حل الأزمات السياسية والاجتماعية

أعاد الجدل الذي رافق عدداً من الملفات المطلبية في المغرب طرح تساؤلات متجددة حول مدى قدرة الوساطات البرلمانية على الإسهام الفعلي في حل الأزمات الاجتماعية والسياسية، وذلك بعد تكرار حالات تعثر هذه المبادرات في الوصول إلى تسويات نهائية، كما حدث في عدد من القضايا المهنية والقطاعية خلال السنوات الأخيرة.
أدوار محدودة أمام تعقيد الأزمات
يرى متابعون أن الوساطة التي يقودها برلمانيون غالباً ما تصطدم بحدود اختصاص المؤسسة التشريعية، إذ تبقى هذه المبادرات في إطار تقريب وجهات النظر وتهيئة مناخ الحوار، دون أن تمتلك أدوات تنفيذية أو إلزامية لحسم النزاعات، وهو ما يجعل نتائجها رهينة بتفاعل الحكومة والأطراف المعنية.
في هذا السياق، أكدت خديجة الزومي، النائبة البرلمانية عن حزب الاستقلال، أن الوساطة البرلمانية تظل محاولة إنسانية وسياسية لمد الجسور بين الفرقاء، لكنها ليست بالضرورة آلية تفضي إلى نتائج ملموسة بشكل فوري، معتبرة أن الحسم النهائي في القضايا الخلافية يظل مرتبطاً بمساطر التشريع والتصويت داخل المؤسسة البرلمانية، حيث تتحكم موازين الأغلبية والمعارضة في القرار.
وأضافت أن البرلمان، بحكم وظيفته الدستورية، معني أساساً بالتشريع لا بإنتاج حلول فئوية خاصة بكل قطاع، مشددة على أن القوانين يجب أن تُصاغ بمنطق شمولي يراعي المصلحة العامة ويضمن التوازن بين مختلف الفئات، بعيداً عن منطق “التشريع الفئوي” الذي قد يفتح الباب أمام تعدد المرجعيات القانونية داخل المجتمع.
انتقادات لأداء السلطة التنفيذية
في المقابل، عبّر عدد من البرلمانيين عن مواقف أكثر انتقاداً لطريقة تدبير الأزمات، معتبرين أن اللجوء المتأخر إلى الوساطة يعكس غياب المعالجة الاستباقية.
وفي هذا الإطار، قال مصطفى الإبراهيمي، عضو المجموعة النيابية عن حزب العدالة والتنمية، إن الحكومة تُظهر في كثير من الأحيان عجزاً عن تدبير الاحتجاجات والملفات الاجتماعية بشكل مباشر، ما يدفعها لاحقاً إلى البحث عن وساطات سياسية أو مؤسساتية للخروج من الأزمات بعد تفاقمها.
وأوضح أن عدداً من التجارب السابقة أبان عن تشدد في المواقف خلال المراحل الأولى للنزاع، قبل أن تنتهي الأمور بتقديم تنازلات، الأمر الذي يطرح، بحسب تعبيره، تساؤلات حول جدوى هذا النهج وتأثيره على الثقة في المؤسسات.
تنازع الأدوار بين المؤسسات
كما أشار فاعلون سياسيون إلى أن تدخل مؤسسات أخرى، مثل وسيط المملكة، في بعض الملفات ساهم في إيجاد مخارج للأزمات، ما عزز الانطباع بأن الوساطة البرلمانية ليست دائماً القناة الأكثر فعالية، خاصة في ظل غياب تنسيق واضح بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وفي خضم هذا النقاش، كان عبد الله بوانو قد قدّم توضيحات بشأن مساعي الوساطة في أحد الملفات المهنية، في محاولة لشرح سياق المبادرة وحدودها، وهو ما يعكس حساسية التداخل بين العمل السياسي والتدبير الحكومي للأزمات.
بين الوساطة والتشريع: أين يكمن الحل؟
يُجمع عدد من المتابعين على أن الإشكال لا يرتبط بمبدأ الوساطة في حد ذاته، بل بغياب تصور مؤسساتي متكامل يحدد بوضوح أدوار كل جهة في إدارة النزاعات الاجتماعية. فالوساطة، مهما كانت أهميتها في تخفيف التوتر، تظل أداة تواصل سياسي، بينما يبقى التشريع الآلية الوحيدة لإنتاج حلول ملزمة ومستدامة.
الحاجة إلى مقاربة استباقية
تُظهر التجارب المتكررة أن تدبير الأزمات يتطلب انتقالاً من منطق ردّ الفعل إلى منطق الاستباق، عبر فتح قنوات الحوار مبكراً، وتعزيز التنسيق بين الحكومة والبرلمان، وتوضيح المسؤوليات الدستورية لكل مؤسسة، بما يضمن سرعة الاستجابة ويحد من تفاقم الاحتقان.
وفي ظل التحولات الاجتماعية وتزايد المطالب القطاعية، يبقى الرهان المطروح هو تطوير آليات الوساطة السياسية لتكون أكثر نجاعة واندماجاً في منظومة اتخاذ القرار، حتى لا تتحول إلى مجرد محطة عابرة في مسار أزمات تتكرر بأشكال مختلفة.



