ثروة السائق.. اختفاء المالك.. وصمت الشركة.. لغز الـ 4 أطنان الذي يستفز المنطق

متابعة
مثير للدهشة، بل وللإعجاب أيضا، ذلك السيناريو السريالي الذي أصبحت ترسمه بعض قضايا التهريب الدولي مؤخرا، فالمستجد الذي يفرض نفسه اليوم، ليس فقط حجم المحجوزات، بل هو تلك “الضبابية” التي تلف موقف الشركات المتضررة، والتي يبدو أنها تفضل التواري عن الأنظار بدل الخروج لتوضيح موقفها القانوني من سائقيها الذين “ورطوها” في فضائح عابرة للحدود.
فحين نعود إلى واقعة حدثت في منتصف سنة 2025 المنصرمة بميناء الجزيرة الخضراء، نجد أنفسنا أمام قصة تصلح لفيلم سينمائي ضعيف الحبكة، سائق شاحنة، يعيش بوضعية اجتماعية “معدومة” ويقتات من راتب لا يكفي لسد الرمق، يعترف بملكيته الكاملة لـ 4.7 أطنان من الحشيش (حوالي 8 مليارات سنتيم).
هي لحظة “صدق” نادرة، حولت أجيرا بسيطا إلى “بارون” يمتلك سيولة تضاهي ميزانيات شركات كبرى، دون أن يفسر لنا أحد: كيف لمعدم أن يشتري شحنة تملأ مقطورة؟
وفي سياق هذه القصة، يبرز اسم “العطمينة”، مالك الشاحنة، كبطل لقصة اختفاء غامضة، فبدلا من أن يظهر الرجل في ثوب “المستثمر المصدوم” الذي خانه أجيره ودمّر سمعة مقاولته، اختار “العطمينة” التواري عن الأنظار وسط أنباء عن مغادرته البلاد.
هذا السلوك يطرح تساؤلات “ساذجة”: لماذا يهرب صاحب الشاحنة إذا كان السائق قد اعترف بمسؤوليته الفردية؟ ولماذا لم نسمع حتى الآن عن أي تحرك رسمي للشركة لمقاضاة هذا السائق بتهمة “خيانة الأمانة” وجبر الأضرار الفادحة التي لحقت بسمعتها وأصولها؟
إن علامة الاستفهام الكبرى التي تلاحق هذه القضية هي: هل قامت المقاولة فعلا بوضع شكاية ضد سائقها “الملياردير”؟ من الناحية القانونية، أي صمت عن ملاحقة السائق الذي تسبب في حجز الشاحنة وتشويه السجل التجاري للشركة يضع المقاولة في موقف ريبة.
فإذا لم تكن هناك متابعة قضائية حازمة، فإن ذلك لا يفسر إلا بكون السائق والشركة يسبحان في فلك واحد، أو أن هناك “عقدا غير مكتوب” يقضي بأن يلعب السائق دور “كبش الفداء” مقابل ضمان صمت الشركة وعدم ملاحقته، لتبقى الرؤوس الكبيرة بعيدة عن الشبهات.
فبين اعترافات السائقين التي لا يصدقها حتى العقل البسيط، واختفاء مالكي الشاحنات مثل “العطمينة”، تظل الحقيقة ضائعة في ممرات الموانئ، فالمشهد الحالي يوحي بأننا بصدد منظومة نقل “عجيبة”، يتحمل فيها الفقراء فاتورة المليارات، بينما يكتفي “المالكون” بالفرار أو الصمت، في انتظار أن ينسى الرأي العام قصة السائقين الذين تحولوا إلى “أباطرة” برواتب هزيلة.



