أخبار دولية

عمليات الإجلاء بسبب الفيضانات تفرض تحدي الاستقرار النفسي والاجتماعي للساكنة المتضررة

 

أعاد إجلاء ما يقارب 108 آلاف مواطن من المناطق المتضررة بالفيضانات في عدد من جهات المملكة إلى الواجهة إشكالية تدبير أوضاع الساكنة المُرحّلة، ليس فقط خلال لحظة الخطر، بل عبر مختلف مراحل الأزمة، من الاستباق والوقاية، مرورا بالمواكبة، وصولا إلى مرحلة التعافي.

ويرى مختصون في تدبير الأزمات والحماية الاجتماعية أن نجاح عمليات الإجلاء لا يُقاس فقط بعدد الأشخاص الذين تم نقلهم إلى مناطق آمنة، بل بمدى احترام كرامتهم وضمان استقرارهم النفسي والاجتماعي بعد الترحيل، في ظل ما تخلفه الكوارث الطبيعية من صدمات وآثار ممتدة.

مقاربة شمولية بدل التدبير الظرفي

في هذا السياق، شدد خبراء في تحليل الأزمات على أن تدبير وضعية الساكنة التي فُرض عليها الإجلاء بسبب الفيضانات يتطلب تضافر جهود مختلف المتدخلين، من سلطات محلية ومصالح ترابية ومؤسسات عمومية، إلى جانب المجتمع المدني.

وأشاروا إلى أن الترحيل القسري غالبا ما يخلّف تداعيات اجتماعية واقتصادية مباشرة، من فقدان الممتلكات وتضرر مصادر العيش، إلى آثار صحية ونفسية وبيئية معقدة، محذرين من أن الفئات الهشة، وعلى رأسها الأطفال وكبار السن، تُعد الأكثر عرضة للصدمة في مثل هذه الظروف.

وأكد المتدخلون أن الاستجابة الناجعة لا ينبغي أن تقتصر على توفير الإيواء المؤقت أو المساعدات الغذائية، بل يجب أن تشمل مواكبة نفسية وطبية متخصصة، يشرف عليها مهنيون في الصحة الجسدية والدعم النفسي، تفاديا لتحول الصدمة الآنية إلى اضطرابات طويلة الأمد.

وفي هذا الإطار، أُشير إلى أن الطابع المفاجئ للأزمة ساهم في تعقيد عملية التدبير، رغم وجود مؤشرات مناخية تنبّه إلى موسم مطير استثنائي، وهو ما يسلط الضوء على ثقل المسؤولية الملقاة على عاتق السلطات المحلية، مقابل محدودية مساهمة بعض المجالس المنتخبة والجهوية، رغم ما يخوله لها الإطار القانوني من صلاحيات في مجال تدبير المخاطر الترابية.

ودعا الخبراء إلى اعتماد مقاربات استباقية قائمة على التخطيط المسبق وإعداد سيناريوهات التدخل، مستحضرين تجارب دولية ناجحة في مواجهة الكوارث، ومؤكدين أن المغرب، الذي انتقل من سنوات جفاف متتالية إلى تساقطات قياسية، بات في حاجة ملحة إلى استراتيجية وطنية شاملة للتعامل مع التطرف المناخي.

الإجلاء كجزء من منظومة وقاية وحماية

من جهته، اعتبر مختصون في قضايا الطفولة والحماية الاجتماعية أن المبادرات الاستباقية أثبتت نجاعتها حين تم تفعيل منظومات الإنذار المبكر، وإطلاق حملات تحسيسية، إلى جانب تعبئة مختلف المتدخلين قبل بلوغ الاضطرابات الجوية ذروتها.

وأوضحوا أن هذه الإجراءات شملت قرارات وقائية بإجلاء الساكنة من المناطق المهددة بالفيضانات والانجرافات، وإغلاق المسالك الخطِرة، وتأمين المنشآت الحساسة، فضلا عن تعزيز الجاهزية اللوجستية عبر توفير وسائل الإنقاذ والنقل، خاصة في المناطق الوعرة.

وأكدوا أن ضمان سلامة المواطنين لم يتوقف عند حدود الإجلاء، بل امتد إلى إعداد مراكز إيواء مجهزة مسبقا، وتوفير الأغطية والمواد الغذائية والماء الصالح للشرب، مع تعبئة الأطقم الصحية لتقديم الإسعافات الأولية والدعم النفسي، خصوصا لفائدة الأطفال وكبار السن.

وفي هذا السياق، برزت دعوات إلى فتح مراكز الاصطياف الموسمية، ومراكز التخييم، والأقسام الداخلية بالمؤسسات التعليمية واستغلالها مؤقتا كمراكز إيواء، بما يضمن شروط السلامة والكرامة إلى حين تجاوز آثار الأزمة.

كما جرى، حسب المعطيات المتوفرة، نصب مخيمات ميدانية مجهزة، وإحداث وحدات للإطعام المتنقل، إضافة إلى تجهيز مستشفيات ميدانية لتعزيز العرض الصحي، خاصة بالمناطق النائية وصعبة الولوج.

المجتمع المدني… شريك أساسي في الاستجابة

وأجمع الفاعلون على أن المجتمع المدني يشكل رافعة مكملة لجهود الدولة، من خلال أدوار متعددة تشمل التحسيس والتوعية، والتدخل الإغاثي السريع، وتقديم المساعدات الاجتماعية.

وفي هذا الإطار، تتوزع تدخلات الجمعيات بين مبادرات تربوية وتحسيسية عبر الإعلام ومنصات التواصل، ومساهمات ميدانية في الإغاثة والتطوع ودعم البنيات الأساسية، إضافة إلى توفير المواد الغذائية والأغطية والأدوية، والمساعدة في نقل الساكنة إلى مناطق أكثر أمانا عند الضرورة.

وأكد المتدخلون أن هذه الجهود لا يمكن فصلها عن السياق العام الذي تعرفه البلاد، حيث تتقاطع التقلبات المناخية المتزايدة مع الهشاشة الاجتماعية والضغوط الاقتصادية في عدد من المناطق القروية والنائية، ما يجعل من الاستثمار في الوقاية، وتحيين خرائط المخاطر، وتقوية قدرات التدخل السريع، خيارات استراتيجية لا غنى عنها.

وفي الختام، نُوّه بالمجهودات الميدانية المبذولة من طرف مختلف المتدخلين، وعلى رأسهم القوات المسلحة الملكية، والسلطات المحلية، ومصالح الوقاية المدنية، مشيدين بسرعة التدخل وحسن التنسيق لحماية الأرواح والحد من الخسائر، في إطار تعبئة شاملة لمواجهة حالة الطوارئ وتسريع وتيرة الاستجابة الميدانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى