السيمو “يبلل حذاءه” لإنقاذ الساكنة.. ومنتخبو طنجة يخشون على “ربطات العنق” من البلل

في خضم “طوفان الشمال” الذي حبست معه المنطقة أنفاسها، برز مشهدان متناقضان حد الدهشة، يلخصان بوضوح الفرق بين المسؤول الذي “يملأ مكانه” (مهما اختلفنا معه) وبين المسؤول الذي لا يملأ إلا كرسيه الوثير. مشهد قادم من القصر الكبير حيث “القيامة” قائمة، ومشهد آخر من طنجة حيث “الهدوء” مريب.
في القصر الكبير، ومنذ اللحظات الأولى التي بدأت فيها نذر الخطر تلوح في الأفق، لم ينتظر محمد السيمو، رئيس المجلس الجماعي، التعليمات ليهبط من برجه العاجي. رأيناه في كل مكان: في الفيديوهات المباشرة، في الأزقة الموحلة، وسط الحشود القلقة. كان أول من خرج للعلن، بصوت مبحوح ووجه شاحب، يصارح المواطنين بالحقيقة المرة. تارة يطمئنهم لامتصاص الذعر، وتارة يقرع جرس الإنذار محذراً من الأسوأ، وتارة أخرى يطالبهم بالإخلاء الفوري حفاظاً على الأرواح.
قد نتفق أو نختلف مع أسلوب “السيمو” الشعبوي، قد ننتقد صراخه أو طريقة تدبيره، لكن لا أحد يملك أن ينكر حقيقة ساطعة: الرجل كان حاضراً. كان هناك حينما احتاجته الساكنة صوتاً ووجهاً وفعلاً. لم يختبئ خلف البلاغات الخشبية، بل واجه الكاميرات وواجه السيول، وتحمل مسؤولية القرارات الصعبة بترحيل الآلاف، واضعاً نفسه في فوهة المدفع بدلاً من التواري في الخلف.
وعلى النقيض تماماً، نيمم وجوهنا شطر عاصمة البوغاز.. طنجة الكبرى.
هنا، وفي الوقت الذي كانت فيه المدينة تعيش حالة استنفار قصوى، وتستقبل أمواجاً بشرية هاربة من جحيم الفيضانات في الجوار، وتغرق شوارعها وأحياؤها الهشة تحت رحمة التساقطات، كان السؤال الوحيد الذي يتردد على ألسنة الطنجاوية: أين العمدة؟ أين النواب؟ أين “جيش” المنتخبين؟
طنجة، المدينة المليونية، بدت وكأنها “يتيمة” سياسياً في عز العاصفة. لم يخرج العمدة بتصريح واحد يواسي فيه الساكنة أو يطمئنها على جاهزية البنية التحتية. لم نرَ نائباً واحداً يتفقد الأحياء المتضررة أو يقف على النقاط السوداء. غاب الجميع في “سبات أهل الكهف”، وكأن تدبير المدينة يقتصر على قص شريط الافتتاحات وحضور الولائم، وينتهي عند أول قطرة غيث.
إن الصمت المطبق الذي خيم على مجلس مدينة طنجة ليس مجرد “غياب تواصلي”، بل هو فراغ سياسي مخيف. ففي الوقت الذي كان فيه نظيرهم في القصر الكبير يستجدي الساكنة للنجاة بأرواحهم ويوفر الحافلات، كان منتخبوا طنجة عاجزين حتى عن إصدار “فيديو” توضيحي أو تدوينة يتيمة. تركوا المواطن فريسة للإشاعات وللخوف، وتركوا الأسر النازحة من القصر الكبير تواجه مصيرها ومضاربات السماسرة في الكراء، دون أن تبادر الجماعة لفتح قاعة مغطاة واحدة أو مركز إيواء لحفظ ماء وجه المدينة المضيافة.
المفارقة مؤلمة: في القصر الكبير مسؤول “يصرخ” ليحمي مدينته، وفي طنجة مسؤولون “يخرسون” بينما مدينتهم تغرق في الفوضى والصمت.
لقد أثبتت هذه الأزمة أن “الكاريزما” السياسية والقدرة على القيادة وقت الأزمات عملة نادرة. فبينما نجح “السيمو” -بما له وما عليه- في أن يكون “دينامو” الحدث، أثبت منتخبوا طنجة أنهم مجرد “كومبارس” في مسرحية لا يظهرون فيها إلا عند توزيع الغنائم، ويختفون تماماً عند توزيع المهام والمغارم.



