الدروس الخصوصية بمراكز الدعم…سرطان ينخر جسد المدرسة العمومية

مراسلة من خنيفرة
لم يعد خافيا على أحد أن المدرسة العمومية تعيش اليوم حالة انهيار صامت، سببها الأول والأخطر هو استشراء ظاهرة “السوايع” أو الدروس الخصوصية. هذه الظاهرة التي كان يفترض أن تكون مجرد دعم اختياري لبعض التلاميذ المتعثرين، تحولت إلى تجارة مربحة، بل إلى “سوق سوداء” لبيع المعرفة، يتزعمها أساتذة من المفروض أن يؤدوا رسالتهم التربوية داخل الأقسام العمومية.
كيف يعقل أن يتقاضى الأستاذ أجرا من المال العام ليدرس أبناء الوطن جميعا، ثم يتحول إلى “تاجر معرفة” لا يفتح أبواب العطاء إلا مقابل الدفع؟ كيف يعقل أن يهمل الأستاذ حصصه الرسمية ويؤجل الدروس أو يفرغها من مضمونها، ليجبر التلاميذ على طرق أبواب “مراكز الدعم” التي لا هم لها سوى امتصاص جيوب الآباء؟
لقد صارت مراكز الدعم الخصوصية مصانع للاستغلال، تضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص، وتحول التعليم إلى امتياز طبقي: أبناء الميسورين في المقدمة، وأبناء الفقراء على الهامش.
ما ذنب تلميذ نجيب من أسرة فقيرة لا تستطيع دفع 500 أو 1000 درهم شهريا ليحظى بنفس “الشرح” الذي يتلقاه زميله الميسور في قاعة أخرى؟ أليس هذا ضربا صارخا للعدالة الاجتماعية؟
إن ما يحدث اليوم خيانة صريحة لرسالة التعليم، واغتيال بطيء للمدرسة العمومية. أساتذة يرفعون شعار “الربح أولا”، ومديريات إقليمية تكتفي بدور المتفرج، وسلطات تتساهل في منح تراخيص لمراكز دعم تحولت إلى أوكار للابتزاز المنظم.
المدرسة العمومية لم تعد قادرة على منافسة هذه المراكز التجارية التي تستنزف طاقات الأسر. النتيجة: ضعف التحصيل، انهيار الثقة في التعليم العمومي، وتكريس الفوارق الطبقية.
إننا أمام سرطان ينخر جسد التعليم العمومي، لا يمكن مواجهته إلا بإجراءات صارمة:
*إلغاء الترخيص لمراكز الدعم الخصوصية أو إخضاعها لمراقبة حديدية.
*تحميل الأساتذة كامل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن أي تقصير داخل الأقسام العمومية.
*تفعيل التفتيش التربوي الحقيقي، وربط الأجور بالمردودية داخل القسم العمومي.
إن إنقاذ المدرسة العمومية يمر عبر تجفيف منابع التجارة في التعليم. فالمعرفة ليست سلعة تُباع وتُشترى، بل حق دستوري لكل أبناء هذا الوطن دون تمييز.
وليعلم كل من يحول القسم إلى “بازار تجاري” أن التاريخ لن يرحمهم، وأن الأجيال المقبلة ستلعن من تاجر بمستقبلها مقابل بضع أوراق نقدية.